الرأي

من باريس… السعودية ترسم توازنًا جديدًا في عالم مضطرب

لم تكن زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى باريس يومي 23 و24 أغسطس 2026 زيارة بروتوكولية، بل جاءت في توقيت دولي حساس تتصاعد فيه الصراعات، وتتعرّض طرق التجارة والطاقة للتهديد، ويعاد فيه تشكيل موازين القوى العالمية.

الهدف الأهم من الزيارة هو تعزيز الشراكة السعودية–الفرنسية وتحويلها من تفاهمات متفرقة إلى عمل مؤسسي طويل المدى، من خلال ترؤس ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وقد شهدت الزيارة الإعلان عن أكثر من 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات الدفاع والطاقة والصحة والنقل والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والترفيه، إضافة إلى تمديد الشراكة في مشروع العلا حتى عام 2035. كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.8 مليار دولار خلال عام 2025. البيان السعودي–الفرنسي المشترك.

اقتصاديًا، تسعى المملكة إلى الاستفادة من الخبرات الفرنسية في الصناعات المتقدمة والطاقة النووية السلمية والنقل والذكاء الاصطناعي، بما يخدم مستهدفات رؤية 2030. وفي المقابل، أصبحت السعودية قوة استثمارية عالمية قادرة على صناعة الفرص داخل الاقتصادات الكبرى، كما يظهر في مشروع القدية قرب باريس، الذي تقدر قيمته بنحو ستة مليارات يورو ويتوقع أن يوفر 22 ألف فرصة عمل.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرتها على نقل التقنية، وتوطين الصناعات، وتدريب الكفاءات السعودية، وتحويل المملكة إلى مركز اقتصادي وتقني يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

سياسة التوازن واستقلال القرار
اختيار باريس لا يعني ابتعاد السعودية عن واشنطن، ولا اصطفافها ضد الصين أو روسيا، بل يعكس سياسة تقوم على تنويع الشراكات وعدم وضع المصالح الوطنية في يد قوة دولية واحدة.

فالتوازن السعودي لا يعني الوقوف على المسافة نفسها من الجميع، وإنما امتلاك علاقات متعددة تمنح المملكة حرية أكبر في اتخاذ القرار. فهي تحتفظ بشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتوسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وآسيا، وتبني في الوقت نفسه شراكات سياسية وتقنية ودفاعية مع فرنسا وأوروبا.

إنها شراكة بلا تبعية، وانفتاح بلا تنازل عن السيادة.
رسالة سلام من موقع القوة
جاءت الزيارة في ظل التوتر مع إيران وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. ولذلك أكد البلدان ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي يمنع اتساع الصراع، ويضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني، مع رفض الاعتداءات على السفن وتهديد أمن المملكة وطرق التجارة الدولية.

كما جددت السعودية وفرنسا دعمهما لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، ورفض الاستيطان، ودعتا إلى تعزيز مؤسسات الدولة في لبنان، ودعم الحلول السياسية في اليمن والسودان وسوريا.

وهنا تظهر رسالة المملكة بوضوح: السعودية تدعو إلى الحوار والسلام، لكنها في الوقت نفسه لن تتهاون في حماية أمنها وسيادتها ومصالحها.

المملكة شريك لا يمكن تجاوزه
ركزت الصحافة الدولية على حجم الاستثمارات والاتفاقيات، وعلى حاجة فرنسا إلى الشراكة السعودية، بينما رأت تحليلات أخرى أن الزيارة تعكس تنامي مكانة الرياض بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة في قضايا الطاقة والأمن والاستقرار الإقليمي.

والعلاقة بين البلدين ليست منحة من طرف للآخر، بل تبادل مصالح متوازن: فرنسا تحتاج إلى الاستثمار السعودي ودور المملكة الإقليمي، والسعودية تستفيد من الخبرات والتقنيات الفرنسية والوصول الأوسع إلى أوروبا.

ومن باريس، أرسلت المملكة رسالة واضحة إلى العالم: لسنا تابعين لمحور، ولا نبحث عن مظلة بديلة، بل نبني شراكاتنا وفق مصالحنا الوطنية. ندعو إلى السلام، ونمتلك قوة حماية أمننا، ونربط السياسة بالاقتصاد، والاستثمار بالتنمية، والانفتاح باستقلال القرار.

السعودية اليوم لا تنتظر ما تقرره القوى الكبرى، بل تشارك في صناعة القرار؛ دولة تعرف موقعها، وتدرك مصالحها، وتتحرك بثقة لخلق توازن دولي يقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى المصالح المتبادلة لا الإملاءات.