معرفة

«نالا» تستعيد ذاكرة القصة السعودية وتختبر أسئلتها الجديدة

تستعد جمعية آداب وفنون السرد «نالا» لتنظيم الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد» في الرياض يومي 9 و10 سبتمبر 2026م، الموافق 27 و28 ربيع الأول 1448هـ، بمشاركة عدد من الأكاديميين والنقاد وكتاب القصة القصيرة من المملكة والوطن العربي، في ملتقى يضع القصة السعودية أمام تحولات المجتمع والمدينة واللغة وتقنيات الكتابة، ويبحث قدرتها على مواكبة زمن سريع التغير.

وتكتسب الدورة الأولى أهمية خاصة باختيار تجربة القاص السعودي الراحل محمد علي علوان عنوانًا لها، في احتفاء لا يستعيد اسمًا بارزًا في تاريخ السرد السعودي فحسب، بل يتخذ من تجربته نقطة انطلاق لقراءة تطور القصة القصيرة السعودية، ومقارنة أسئلتها التأسيسية بما تطرحه الكتابة المعاصرة من رؤى وأشكال جديدة.

ويبحث الملتقى أربعة محاور رئيسية، هي: التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، والثيمات البارزة والمتكررة فيها، وتسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة، والسمات الفنية للقصة السعودية المعاصرة. ويقول الروائي يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة جمعية «نالا» والمشرف العام على الملتقى، إن هذه المحاور تستهدف تسليط الضوء على فن القصة القصيرة، وتقديم قراءات نقدية تواكب الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.

وتتجاوز محاور الملتقى سؤال «ماذا تكتب القصة السعودية؟» إلى أسئلة أعمق تتصل بكيفية الكتابة وأدواتها وتحولاتها؛ إذ تبحث في علاقة النص بالمجتمع، والموضوعات التي تشغل المخيلة القصصية، وحضور المدينة بوصفها ذاكرة وهوية وفضاءً متغيرًا، إلى جانب اللغة والتكثيف وبناء الشخصية والزمن والمكان وتعدد الأصوات والتجريب. ويكتسب تسريد المدينة أهمية خاصة في ظل التحولات العمرانية والاجتماعية المتسارعة التي تشهدها المدن السعودية؛ فالمدينة في القصة ليست خلفية للأحداث بالضرورة، وإنما قد تتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات والذاكرة ومسار الحكاية، بما يفتح أسئلة حول علاقة الإنسان بالمكان والهوية والتحول.

وفي قلب الدورة الأولى يحضر محمد علي علوان، أحد أبرز كتاب القصة القصيرة السعودية، الذي امتدت تجربته الأدبية والثقافية لنحو نصف قرن، وأسهم في ترسيخ ملامح مهمة في مسيرة السرد المحلي. وُلد علوان في أبها عام 1950م، وحصل على بكالوريوس الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974م، وعمل في وزارة الإعلام، وتولى مسؤوليات إعلامية وثقافية، وأشرف لسنوات على الصفحات الثقافية في مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض»، كما شارك في أمسيات قصصية بالأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضوًا مؤسسًا في مؤسسة عسير للصحافة والنشر.

ومن أبرز أعماله القصصية «الخبز والصمت» الصادرة عام 1977م، و«الحكاية تبدأ هكذا» عام 1983م، و«دامسة» عام 1998م، و«هاتف» عام 2014م، و«إحداهن» عام 2019م، و«طائر العِشا» عام 2020م، إلى جانب كتابه «ذاكرة الوطن» الصادر عام 1994م. ولم تتوقف قراءة تجربته عند حدود التلقي الأدبي؛ إذ أصبحت موضوعًا للدراسة الأكاديمية، ومن ذلك رسالة الماجستير «دلالة المكان في مجموعة دامسة» للباحث مكي موكلي في جامعة الملك خالد، بما يعكس قابلية تجربته لمزيد من القراءات النقدية.

ويتضمن الملتقى ندوة احتفائية بمشاركة نخبة من الأكاديميين والنقاد لتناول تجربة علوان ودوره في المشهد القصصي المحلي والعربي، إلا أن أهمية الاحتفاء لا تكمن في استعادة سيرته وحدها، وإنما في إعادة قراءة نصوصه من منظور الحاضر: ما الذي بقي من أسئلته في القصة السعودية الجديدة؟ وكيف تغيرت أشكال التعبير مع تغير المجتمع والمدينة ووسائط النشر؟

وعلى مدى يومين، يتضمن الملتقى سبع جلسات علمية وثقافية، من بينها جلستان مخصصتان لشهادات وتجارب عدد من كتاب القصة السعوديين، بما يتيح الجمع بين القراءة النقدية والتجربة الإبداعية المباشرة. ويمنح هذا التداخل الملتقى بعدًا يتجاوز النقاش الأكاديمي؛ إذ يلتقي الناقد الذي يقرأ النص بأدواته المنهجية مع الكاتب الذي عاش تجربة ولادته وتشكله، فتتحول الكتابة إلى موضوع للحوار والتحليل، وتصبح التجربة الفردية مدخلًا لفهم تحولات أوسع في المشهد القصصي.

ويعكس الملتقى توجه جمعية آداب وفنون السرد «نالا» إلى التعامل مع السرد باعتباره مشروعًا ثقافيًا يتجاوز إقامة الفعاليات، من خلال نشر ثقافة السرد وتعزيز مهارات التذوق والقراءة السردية، والاستفادة من المناهج والنظريات السردية الحديثة. كما تعمل الجمعية على بناء الشراكات والمبادرات الثقافية التي تستثمر دور السرد في تعميق الفهم بين فئات الجمهور والثقافات، إلى جانب تقديم المساندة الفنية لكتاب السرد والمواهب الشابة في مجالات النشر والترجمة والترشيح للجوائز الأدبية ذات الصلة.

ويرى المحيميد أن طموح «نالا» يتجه إلى أن تكون «بيتًا دافئًا وحميميًا للمبدعين»، يحتضن الجيل الجديد ويساعد المبدعين السعوديين على إصدار كتبهم الأولى، بالتوازي مع مشاريع لحفظ الذاكرة السردية وأرشفة الإنتاج السردي السعودي.

وتمنح المقارنة بين تجربة علوان والقصة السعودية المعاصرة الملتقى بعدًا رمزيًا لافتًا؛ ففي عام 1977م صدر «الخبز والصمت»، في زمن كانت القصة تتحرك داخل فضاء صحفي وثقافي مختلف، بينما يكتب القاص اليوم في عصر المنصات الرقمية وسرعة التلقي والمحتوى القصير وتغير عادات القراءة. تغيرت الوسائط واتسعت مساحات التعبير، لكن جوهر القصة يبقى مرتبطًا بقدرتها على التقاط اللحظة الإنسانية وسط التحولات الكبرى.

ومن هنا تبرز أهمية الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»: فهي لا تكتفي باستعادة مرحلة من تاريخ القصة السعودية، ولا تنشغل بالمستقبل بمعزل عن جذوره، بل تصل بين ذاكرة السرد وأسئلته الراهنة، وتختبر قدرة القصة القصيرة على التجدد مع تغير الإنسان والمدينة والمجتمع وأدوات الحكاية.

وباختيار محمد علي علوان عنوانًا لدورتها الأولى، تبدأ «نالا» سؤال المستقبل من ذاكرة أحد الأصوات التي أسهمت في تشكيل المشهد؛ لتؤكد أن السرد لا يحفظ الماضي فحسب، بل يمنح الحاضر قدرة على فهم نفسه، ويفتح للمستقبل احتمالات جديدة للحكاية.