الأمير محمد بن سلمان في باريس شراكة تصنع التوازن
الثلاثاء، ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا في توقيت بالغ الحساسية إقليميا ودوليا. ولذلك تتجاوز دلالاتها إطار العلاقات الثنائية بين الرياض وباريس لتكشف عن موقع المملكة المتنامي في معادلات الأمن والاستقرار والطاقة والاقتصاد وفي صياغة التوازنات الجديدة في المنطقة والعالم.
فالسياسة الخارجية السعودية بقيادة ولي العهد تقوم على رؤية واضحة تجمع بين حماية المصالح الوطنية وتوسيع الشراكات وتعزيز استقلال القرار السعودي. وحافظت المملكة على تحالفاتها الاستراتيجية وفي الوقت نفسه عمقت علاقاتها مع فرنسا وأوروبا والصين والهند وغيرها من القوى الدولية. وهذا التنوع لا يمثل انتقالا بين المحاور بقدر ما يعبر عن دولة تدرك وزنها وتسعى إلى توظيف علاقاتها المختلفة لخدمة مصالحها الوطنية.
ومن هنا تكتسب فرنسا أهمية خاصة باعتبارها قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وعضوا دائما في مجلس الأمن. وقد تطورت العلاقة بين البلدين إلى شراكة استراتيجية تشمل السياسة والدفاع والأمن والاستثمار والطاقة والتقنية والثقافة. وهو ما يجعل الزيارة الحالية امتدادا لمسار أعمق من التعاون التقليدي، ويمنح التنسيق بين القيادتين أهمية خاصة في ظل الأزمات التي تحيط بالمنطقة.
والأهم أن رؤية السعودية 2030 أصبحت جزءا أساسيا من قوة المملكة الخارجية. فتنويع الاقتصاد والاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي والصناعة والسياحة والثقافة والخدمات اللوجستية لا يعيد تشكيل الاقتصاد السعودي فحسب. بل يوسع أدوات التأثير السعودي ويحول التنمية إلى عنصر من عناصر القوة الاستراتيجية.
وهذا التحول يفسر جانبا مهما من الجهود السياسية التي تقودها المملكة. فالسعودية التي تنفذ مشروعا تنمويا تاريخيا تدرك أن نجاحه يرتبط بوجود منطقة أكثر استقرارا. ولذلك أصبح خفض التصعيد وحماية أمن الخليج والممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة ودعم الحلول السياسية جزءا من مفهوم متكامل للأمن الوطني السعودي.
وفي ظل الأزمات المرتبطة بإيران وأمن الخليج وغزة ولبنان وسوريا والبحر الأحمر، تبرز المملكة بوصفها دولة تجمع بين القدرة على حماية مصالحها والحرص على إبقاء مسارات الحوار مفتوحة. وهذه معادلة مهمة في السياسة الدولية. فالقوة لا تظهر في القدرة على التصعيد فقط، بل في القدرة على منع التصعيد عندما يهدد أمن الدول ومصالح الشعوب ومستقبل التنمية.
كما يحتفظ الموقف السعودي من القضية الفلسطينية بمكانة مركزية في هذا التحرك. فالمملكة تتمسك بالحل السياسي العادل وقيام الدولة الفلسطينية. والتنسيق مع فرنسا بما تمتلكه من ثقل أوروبي وعضوية دائمة في مجلس الأمن يمنح الجهد الدبلوماسي مساحة أوسع للتأثير. وينطبق ذلك على لبنان وسوريا، حيث تدعم الرياض استقرار الدول وسيادتها ومؤسساتها، وترفض أن تتحول المنطقة إلى ساحات مفتوحة للصراعات.
وتكشف زيارة فرنسا كذلك عن سمة أساسية في نهج الأمير محمد بن سلمان. وهي بناء شبكة واسعة من الشراكات دون الارتهان لطرف واحد. فكلما تعددت خيارات المملكة ازدادت قدرتها على حماية قرارها الوطني وتعظيم مصالحها. ولذلك لا تذهب الرياض إلى باريس بحثا عن بديل لشريك آخر. بل تبني علاقة مع فرنسا ضمن استراتيجية سعودية أوسع تقوم على تعدد الشركاء واستقلال القرار.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق للزيارة. فالمملكة لم تعد تكتفي بأن تكون قوة مؤثرة داخل توازنات يصنعها الآخرون. بل أصبحت تعمل على المشاركة في صناعة تلك التوازنات من خلال ثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها الدولية.
ولهذا فإن جهود المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان تقوم على معادلة مترابطة. بناء القوة في الداخل لتوسيع مساحة القرار في الخارج. واستخدام التنمية لتعزيز السيادة. واستخدام الدبلوماسية لحماية التنمية. وبناء الشراكات لتعظيم المصالح الوطنية وصناعة الاستقرار.
ومن هنا فإن زيارة فرنسا تحمل رسالة تتجاوز الاتفاقيات ومراسم الاستقبال. لأن السعودية اليوم لا تبحث عن مكان لها في عالم متغير. بل تتحرك باعتبارها دولة تعرف مكانها وتملك مشروعها وتوسع خياراتها وتسعى إلى تحويل قوتها إلى استقرار وتنميتها إلى نفوذ ودبلوماسيتها إلى أداة لصناعة التوازن.
وهذا هو التحول الأهم. من دولة مؤثرة في أحداث المنطقة إلى دولة تشارك في صياغة اتجاهها.
alatif1969@