إنسان الطائرة المسيرة
الثلاثاء، ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦منذ أن عرف الإنسان نفسه على وجه الأرض، لم يكن أخطر أعدائه وحشا من الغابة، ولا زلزالا من باطن الأرض، ولا إعصارا يأتي من السماء؛ بل كان الإنسان نفسه.
بدواعي الخوف، والطمع، بدأ الأمر باختراع أدوات بسيطة للدفاع عن النفس والصيد، ثم تحولت الأدوات إلى أسلحة، والأسلحة إلى سيوف ورماح وأشراك، ثم إلى دروع ومدافع وبنادق وقنابل، حتى بلغ الإنسان اليوم مرحلة يستطيع فيها أن يقتل إنسانا آخر من مكان بعيد، متلذذا بسماع صوته أو مراقبة أشلائه لحظة التنفيذ في مشهد يختصر انحدارا أخلاقيا لا يقل فتكا عن السلاح نفسه.
تطور مرعب في صناعة الأسلحة لتصبح صناعة وعلما واقتصادا وسياسة ومنظومة كاملة تتغذى على الخوف وتعيد إنتاجه.
ومعها تحولت مشاعر الغضب والأحقاد والخوف والأنا، والرغبة في امتلاك الأرض والثروة والنفوذ، إلى حروب جهنمية منظمة أفنت الأنفس، وصنعت الممالك والإمبراطوريات، ورسمت الحدود، وقسمت الشعوب، وجعلت ملايين البشر ثمنا لراحة آخرين، أو لرغبة حاكم، وأطماع دولة مارقة، ونهب مصالح قد لا يعرف الضحايا عنها شيئا سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ من التاريخ.
ولو نظرنا إلى العقود الثلاثة الأخيرة وحدها، فبيانات النزاعات المسلحة والعنف المنظم يشيران إلى أن نحو ثلاثة ملايين إنسان قتلوا في مواجهات مباشرة.
وهذا الرقم لا يشمل بالطبع كل من ماتوا بصور غير مباشرة بسبب الجوع والمرض وانهيار الخدمات، والنزوح الذي تسببه الحروب، مما يمكن أن يضاعف الرقم مرات بمن يموتون بصمت لا يصل إلى سجلات الإحصاء.
والأشد إثارة للقلق أن الإنسان أبدع، فتوج تسليحه بما لا يحتاج إلى جيوش كبيرة ولا مواجهات مباشرة.
فبلغ عصر المسيرات الروبوتية، والتي تصطاد الإنسان كما الحشرات من مسافات بعيدة بسهولة وبتكلفة زهيدة على من يملك السلاح، ما يحول الأرض التي يصل إليها شعاع الموت لفناء وإفناء وبيوت تهدم، وأسر تشرد، وأطفال ونساء وأبرياء يسقطون بطائر شؤم راصد دون أن يعرفوا حتى وجه قاتلهم.
ما كان يفترض أن يجعل حياة البشر أفضل وأكثر تطورا وسلاما، تحول إلى تقنية بأشنع وسيلة لإزهاق حياتهم.
لقد أصبح الخوف من الحرب لا يقتصر على ميادين القتال، بل يمتد إلى أطراف الأرض وأعماق البحار والبروج المشيدة وبطون الجبال والحدود والطرقات؛ حيث يفر الناس من أوطانهم، ويموت كثير منهم وهم يحاولون الوصول إلى أمكنة أكثر أمنا، هاربين من حرب تتقن ملاحقة ضحاياها.
المشكلة إذن ليست في السلاح وحده، وإنما في الإنسان الذي يصنعه، وفي الفكر المريض حينما يتفنن في استخدام الوسائل المميتة من على البعد.
وكلما تطورت قدرات الإنسان في القتل، كلما تساءلنا عن سمة الرحمة وجودها وعنصريتها.
فهل فقد الإنسان بتطور أسلحته جزءا من عقله، ومساحات من عاطفته، وكثيرا من إنسانيته؟
إنسان أصبح يتباهى بتهديد مدن وشعوب، بمنتهى الأنانية، والخوف أن يغادره العقل الذي ميزه عن حيوانات الغاب بجنوح يصبح فيه الإنسان هو من يكتب بيده نهاية البشرية، التي كان يخشى حدوثها من الطبيعة وكوارثها.
shaheralnahari@