العالم

المملكة وفرنسا.. شراكة تاريخية وآفاق إستراتيجية واعدة

تتسم العلاقات الثنائية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية بالتطور المستمر ومستوى التعاون الفاعل في المجالات الحيوية المتعددة، وتتوافق وجهات نظر البلدين الصديقين ورؤاهما حيال الكثير من القضايا المشتركة.

وتكتسب العلاقات بين المملكة وفرنسا امتدادًا تاريخيًا يجسد نموذجًا للتعاون الإستراتيجي، وأهمية خاصة في ظل تسارع التغيرات الإقليمية والدولية التي تتطلب تبادل الآراء وتنسيق المواقف بين المملكة والدول الصديقة التي تتبوأ فرنسا منها موقعًا متميزًا.

وتتعزز الشراكة الطموحة بين البلدين الصديقين من خلال آفاق فرص التعاون التجارية والاستثمارية في مجالات الطاقة، والصناعة والتعدين، والزراعة، والصحة، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا الحيوية، والاتصالات وتقنية المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والفضاء، والمدن الذكية والمستدامة، والسياحة، والثقافة.

ويزخر أرشيف ذاكرة العلاقات السعودية - الفرنسية بصورٍ تُجسِّد شراكة تنموية، وصداقة متينة بين البلدين، منذ أن بدأت بوادر تشكل العلاقات بين المملكة وفرنسا قبل (100) عام؛ عندما أرسلت فرنسا في العام 1926م قنصلًا مكلّفًا بالأعمال الفرنسية لدى المملكة، ثم أنشأت بعثة دبلوماسية في جدة عام 1932م، لتمضي قدمًا بقوة وثبات خلال العقود الماضية، وتسجل في مختلف الميادين شواهد رائدة وثابتة.

وتوالت خطوات إرساء العلاقات، ودخلت مرحلة جديدة عقب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- لفرنسا عام 1967م ولقائه الرئيس الفرنسي شارل ديغول، فقد مثَّلت تلك الزيارة دعمًا وتطورًا ليشمل مجالات أرحب؛ بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين وشعبيهما الصديقين.
وشهد تاريخ العلاقات بين البلدين تبادل الزيارات بين قيادات البلدين، وكبار المسؤولين فيهما؛ مما شكل حلقات في سلسلة توثيق وتطوير العلاقات وتنسيق الجهود؛ بما يعود بالمصالح المشتركة على المنطقة والشعبين الصديقين.

وفي عام 1986م افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- حينما كان أميرًا لمنطقة الرياض وفخامة الرئيس الفرنسي -حينئذٍ- جاك شيراك، معرض المملكة بين الأمس واليوم في باريس، حيث تعرف الزائرون من خلاله على ماضي المملكة وتقاليدها وقيمها الدينية والحضارية ونموها الحديث ومنجزاتها العملاقة.

وزار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- في 1997م جمهورية فرنسا، ووقع مع عمدة باريس جان تيبري ميثاق تعاون وصداقة بين مدينتي الرياض وباريس.
واستمرارًا لهذه العلاقات المميزة التي يشهدها البلدان الصديقان، وتعزيزًا لها، جاءت الزيارة التي قام بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى فرنسا في عام 2018م؛ لتوطيد هذه العلاقات ودفعها قدمًا إلى الأمام، بما يتواءم مع البرامج المشتركة والمشروعات التنموية، حيث شهدت الزيارة توقيع (19) بروتوكول اتفاق بين شركات فرنسية وسعودية، بقيمة إجمالية تزيد على (18) مليار دولار، شملت قطاعات صناعية مثل: البتروكيميائيات، ومعالجة المياه، إضافة إلى السياحة، والثقافة والصحة، والزراعة.

وفي ديسمبر 2021م استقبل الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، حيث عقدا جلسة مباحثات رسمية استعرضا خلالها العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية في جميع المجالات، وأكدا أهمية تعزيز العمل المشترك والدفع بالعلاقات الثنائية إلى مزيد من التعاون الوثيق والبناء المبني على الثقة والمصالح المشتركة، بما يأخذ بالشراكة الإستراتيجية بين البلدين إلى آفاق جديدة واعدة، ووقع البلدان، على هامش الزيارة عددًا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المجالات: (الثقافية، والسياحية، والتقنية الرقمية، والفضاء)، إضافة إلى اتفاقية إنشاء المركز الثقافي الفرنسي (فيلا الحجر) في محافظة العلا، وإقامة منشأة لإنتاج هياكل الطائرات (صناعات عسكرية)، وصيانة محركات الطائرات.

وحققت زيارتا الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية في شهر يوليو 2022م، وشهر يونيو 2023م، نتائج إيجابية ومثمرة أسهمت بشكل كبير في توسيع نطاق التعاون وتنمية العلاقات بين البلدين.

وبناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، وانطلاقًا من حرص مقامه الكريم على التواصل وتعزيز العلاقات بين المملكة والدول الشقيقة والصديقة في المجالات كافة، وبدعوة كريمة من فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، خلال زيارته إلى الجمهورية الفرنسية في يوليو 2022م فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون.

وقد جرى خلال اللقاء عقد جلسة مباحثات رسمية، واستعراض العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين البلدين، وسبل تطويرها في جميع المجالات، وتبادل وجهات النظر حول مجمل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة، وشملت المباحثات سبل تعميق الشراكة الاستثمارية بين البلدين عبر رفع وتيرة التعاون الاستثماري والاقتصادي، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة مثل: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والتعاون في مجال الهيدروجين النظيف، والالتزام بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاقية باريس، وضرورة تطوير وتنفيذ الاتفاقيات المناخية بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر.

وتطرقت المباحثات إلى جوانب الشراكة الإستراتيجية وسبل تطويرها، وأهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية، واستقرار الإمدادات الغذائية من القمح والحبوب لجميع دول العالم وعدم انقطاعها، والحفاظ على وفرة المعروض واستقرار الأسعار.

وجرى التأكيد خلال المباحثات على ضرورة التقييم المستمر للتهديدات المشتركة لمصالح البلدين ولأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وأهمية تعزيز التعاون والشراكة في المجالات الدفاعية.

وتناولت المباحثات مناقشة سبل تطوير وتعزيز التعاون والتنسيق حيال الموضوعات ذات الاهتمام المشترك ومنها مكافحة الإرهاب وتمويله ومكافحة الجرائم بجميع أشكالها، وتبادل الخبرات والتدريب، وتطرقت المباحثات إلى أهمية حل النزاعات الدولية بالطرق الدبلوماسية والسلمية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار واحترام وحدة وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وبناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- التقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- في يونيو 2023م فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، وترأس سموه الكريم وفد المملكة المُشارك في قمة "من أجل ميثاق مالي عالمي جديد" التي عُقدت في باريس، كما شارك سموه الكريم في حفل استقبال المملكة الرسمي لترشح الرياض لاستضافة إكسبو 2030.

نقلة نوعية نحو شراكة إستراتيجية مستدامة
تُوّجت مسيرة العلاقات السعودية - الفرنسية بالارتقاء إلى مستوى جديد ومميز ونقلة نوعية مع الإعلان عن خارطة طريق الشراكة الإستراتيجية خلال زيارة فخامة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024م، حيث استقبل الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في الديوان الملكي بقصر اليمامة في الرياض، فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية، وعقدا لقاءً موسعًا وثنائيًا، ثم شهدا توقيع مذكرة التفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الإستراتيجية، برئاسة مشتركة من قبل سمو ولي العهد، وفخامة الرئيس الفرنسي، ويُمثل مجلس الشراكة الإستراتيجية إطارًا مؤسسيًا شاملًا لتطوير العلاقات الثنائية والتعاون في القطاعات الإستراتيجية للمزيد من التنمية وتعميق العلاقات السعودية - الفرنسية في العديد من القطاعات الإستراتيجية الواعدة، والتحول إلى شراكة منظمة ومستدامة بين البلدين.

وفي الشأن السياسي قادت المملكة وفرنسا الجهود الدولية في دعم القضية الفلسطينية لتنفيذ حل الدولتين، وتجلّى ذلك في رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين الذي عُقد في مدينة نيويورك في سبتمبر 2025م؛ بهدف وضع مسار واضح يفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصدر عن المؤتمر "إعلان نيويورك"، الذي كان المحرك الدبلوماسي الرئيس لبلوغ عدد الدول التي تعترف بفلسطين (159) دولة حتى الآن.

ويسعى البلدان إلى الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام إقليميًا ودوليًا، ويبذلان جهودًا دبلوماسية لتحقيق أمن وحرية الملاحة البحرية، وتحرص الجمهورية الفرنسية على شراكتها مع المملكة، وتعدها حليفًا وثيقًا يؤدّي دورًا رئيسًا في الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي واستقرار المنطقة.

ويحرص البلدان على تعزيز التعاون والتنسيق في المجالات الدفاعية بما يخدم ويحقق المصالح المشتركة، ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا، ويعمل البلدان على رفع مستوى التعاون والتنسيق الأمني القائم بينهما، خاصة في مجالات مكافحة الجرائم بجميع أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما، والأمن السيبراني.

ويُثمِّن الجانب الفرنسي دور المملكة في دعم توازن أسواق النفط العالمية واستقرارها، وفي تعزيز موثوقية الإمدادات بصفتها مُصدّرًا رئيسًا للنفط الخام، ويثمن كذلك الجهود والمبادرات التي بذلتها المملكة لضمان استمرار ومرونة سلاسل الإمداد، والتي أسهمت في الحد من تقلبات الأسواق وعززت أمن الطاقة العالمي.

وفي الشأن البيئي يحظى دور المملكة الريادي في العمل المناخي بإشادة الجانب الفرنسي، بما في ذلك إطلاق (مبادرة السعودية الخضراء) على المستوى الوطني، و(مبادرة الشرق الأوسط الأخضر) على المستوى الإقليمي والعالمي.

وتؤكد المملكة وفرنسا التزامهما بدعم حلول التحديات المتعلقة بالحصول على المياه النظيفة والإدارة المستدامة للمياه، ويشكّل ترؤس الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وفخامة رئيس الجمهورية الفرنسية السيد إيمانويل ماكرون، وبمشاركة فخامة رئيس جمهورية كازاخستان، ورئيس البنك الدولي، قمة (المياه الواحدة) المنعقدة في مدينة الرياض بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق 3 ديسمبر 2024م، دورًا قياديًا وفاعلًا للشراكة السعودية الفرنسية المتمثلة في أجندة التعاون الدولي لإدارة المياه، وإيجاد حلول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمياه والأمن الغذائي، والطاقة، وحشد الجهود العالمية بشأن قضايا المياه، والإسهام بحوكمة أكثر كفاءة والتي تجسدت في إطلاق المملكة منظمة عالمية للمياه.

وأعرب الجانبان عن دعمهما لتحالف صناديق الثروة السيادية (الكوكب الواحد)، وذلك تماشيًا مع التزامهما بدعم خفض الانبعاثات عالميًا وإدراج اعتبارات المناخ في الاستثمارات، حيث انعقدت القمة السنوية السابعة لمديري صناديق الثروة السيادية (الكوكب الواحد)، بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق 3 ديسمبر 2024م في مدينة الرياض، باستضافة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، حيث أسهمت شبكة الثروة السيادية (الكوكب الواحد)، منذ عام 2017م، في تسريع الجهود لإدماج قضايا تغير المناخ في إدارة الأصول على مستوى العالم.

وشهد الجانب النيابي في البلدين تعاونًا أدَّى إلى تعزيز التعاون القضائي وتطوير آليات التنسيق بين الجانبين؛ بما يسهم في التصدي للجرائم ذات البعد الدولي والعابرة للحدود، وشمل تبادل المعلومات والأدلة، وتفعيل المساعدة القانونية المتبادلة، والتنسيق في إجراءات التحقيق القضائي والقضايا ذات الصلة، وملاحقة المطلوبين دوليًا، واسترداد الأموال والأصول المتحصلة من الجريمة، وذلك وفقًا للأنظمة الوطنية والاتفاقيات الدولية النافذة ومبدأ المعاملة بالمثل، بحسب الأحوال.

ويأتي هذا التعاون في إطار الاختصاصات التي تضطلع بها نيابة التعاون الدولي في النيابة العامة في مجال التعاون القضائي الدولي، من خلال التواصل والتنسيق مع الجهات القضائية النظيرة، والتعامل مع طلبات المساعدة القانونية المتبادلة والإنابات القضائية، ومتابعة المسائل المرتبطة بالقضايا والجرائم العابرة للحدود؛ بما يعزز سرعة وفاعلية الإجراءات، ويدعم تبادل الخبرات والممارسات ذات الصلة، ويسهم في تعزيز الجهود المشتركة لمكافحة الجريمة.

وفي الشأن التجاري والاقتصادي يسعى البلدان إلى التعاون والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والكهرباء وكفاءة الطاقة والابتكار وتقنيات إزالة الكربون، وتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير مشـروعاتها، والنقل والتوزيع والتخزين وأتمتة الشبكات، والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والهيدروجين والكهرباء منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى البترول وإمداداته والبتروكيماويات، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأثمرت جهود التعاون بين المملكة وفرنسا في بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين (11.5) مليار دولار في عام 2025م، ويسعى الجانبان لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتنمية التبادل التجاري بينهما، من خلال انتظام عقد اجتماعات مجلس الأعمال السعودي - الفرنسي، وتكثيف تبادل الزيارات بين الوفود التجارية والاستثمارية، وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة، وعقد الفعاليات التجارية والاستثمارية؛ لبحث الفرص الواعدة في عددٍ من القطاعات الإستراتيجية.

وتربط البلدين علاقات تجارية ومشروعات مشتركة في مجال النفط الخام والغاز ومشتقاتها والصناعات البتروكيماوية، إذ أطلقت شركتا الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) و(توتال) في عام 2019م مشروعًا مشتركًا بالمناصفة بينهما لبيع الوقود بالتجزئة داخل المملكة عن طريق الاستحواذ على شركة التسهيلات للتسويق التي تشغل حاليًا (170) محطة وقود، وتم -حتى اليوم- تطوير وتأهيل أكثر من (55) محطة وقود تحت العلامة التجارية لشركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) و(توتال)؛ بهدف تعزيز وجودهما في قطاع البيع بالتجزئة في المملكة، إضافة إلى وجود ما يقارب (25) محطة وقود تحت التطوير (الإنشاء) حاليًا.

وتوجد شراكة قائمة بين شركتي الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) و(توتال) الفرنسية في مشروع مصفاة (ساتورب) في مدينة الجبيل الصناعية، التي تبلغ سعتها التكريرية (460,000) أربعمئة وستين ألف برميل يوميًا، وتمتلك شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) (62.5%) من أسهم الشركة، فيما تمتلك شركة (توتال) الفرنسية (37.5%).

وتعمل شركتا الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) و(توتال) الفرنسية على تطوير مشروع (أميرال) الذي يهدف إلى إضافة مجمع متكامل للبتروكيماويات في مصفاة (ساتورب) في الجبيل بتكلفة (11,000,000,000) أحد عشر مليار دولار، ووُقِّعَت عقود الهندسة والتوريد والإنشاء في شهر يونيو من عام 2023م، وتم كذلك برعاية وزارة الطاقة في شهر أبريل من عام 2026م توقيع اتفاقية استثمارية بين وزارة الاستثمار وشركة (ساتورب) لتقديم الحوافز المطلوبة لمشروع (أميرال).

وتشمل فرص التعاون المستقبلية بين المملكة وفرنسا تبادل التجارب والخبرات فيما يتعلق بتطبيقات الاقتصاد الدائري للكربون، وتقنيات الكربون وحجزه وتخزينه وإعادة استخدامه (CCUS) وفي القطاعات ذات الانبعاثات الصعب تخفيضها، كقطاع النقل الجوي والبحري، والإسمنت، والبتروكيماويات، إضافة إلى تعزيز مشاركة الشركات من الجانبين في تنفيذ مشاريع قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة المختلفة في البلدين، من توليد ونقل وتوزيع للكهرباء، وأتمتة الشبكات، وأمن الشبكة الكهربائية ومرونتها، ومشاريع الطاقة المتجددة وربطها بالشبكة وتقنيات تخزين الطاقة. والتعاون وتبادل الخبرات في مجالات البحث والتطوير ودراسات النظام الكهربائي وتخزين الطاقة بما في ذلك أثر دخول الطاقة المتجددة والربط الكهربائي مع الدول وتجارة الكهرباء، والتدريب وبناء القدرات، إضافة إلى زيادة واستمرار مشاركة الشركات الفرنسية في مشاريع الطاقة المتجددة المستقبلية.

وتشارك شركتان فرنسيتان (توتال للطاقة، وإي دي إف الفرنسية) في تطوير مشاريع الطاقة المتجددة ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، وهي مشاريع شركة (إي دي إف) المتمثلة في: محطة طاقة الرياح في دومة الجندل بسعة (400) ميجاواط، ومشروع (الطاقة الشمسية) في مدينة جدة بسعة (300) ميجاواط، ومشروع (الحناكية) للطاقة الشمسية بسعة إجمالية تبلغ (1,100) ميجاواط، ومشروع (الحناكية 2) للطاقة الشمسية بسعة (400) ميجاواط، ومشروع (المصع) للطاقة الشمسية بسعة (1,000) ميجاواط، وترسية مشروع (صامطة) للطاقة الشمسية بسعة (600) ميجاواط على تحالف يضم الشركة.

وتتمثل مشاريع شركة (توتال) للطاقة في: مشروع (وادي الدواسر) لإنتاج (112) ميجاواط من الطاقة الشمسية، ومشروع (رابغ 2) للطاقة الشمسية بسعة (300) ميجاواط، وترسية مشروع (السفن) للطاقة الشمسية بسعة (400) ميجاواط على تحالف يضم شركة (توتال) للطاقة.

ويواصل البلدان تطوير فرص التعاون في منظومة قطاع الطاقة بما يحقق المنفعة للتوجهات والخطط المستقبلية لكلا البلدين من خلال التباحث حول الفرص المستقبلية الممكنة في استخدام الموارد المحلية، وتبادل الخبرات، وتطوير المشاريع المشتركة، وتأمين وتعزيز واستدامة سلاسل إمداد قطاع الطاقة لتلبية الطلب المحلي والتصدير للأسواق العالمية.

وتعد فرنسا من أكبر الدول استثمارًا في المملكة إذ بلغ عدد الشركات الفرنسية التي تعمل في المملكة (650) شركة منها (39) شركة اتخذت من المملكة مقرًا إقليميًا لها، وشهد منتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي الذي عُقد في شهر ديسمبر 2024م، تحت شعار "رؤية السعودية 2030 وخطة فرنسا 2030" اجتماعات طاولة مستديرة تناولت موضوعات جودة الحياة، والبنية التحتية، والترفيه، والتحول الاقتصادي، والتقنية، وجرى خلال المنتدى توقيع عددٍ من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بين مؤسساتٍ من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين.

ويتعاون البلدان في مجال دعم المشروعات والشركات المرتبطة بتحقيق رؤية السعودية 2030، وتعزيز تمويل الصادرات الفرنسية والمشروعات المشتركة, وجرى توقيع مذكرة تفاهم بين صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي في ديسمبر 2024م؛ بهدف تعزيز التعاون وتقديم خدمات دعم تمويل بقيمة تصل إلى (10) مليارات دولار لمدة خمس سنوات، ووقع برنامج الربط الجوي السعودي اتفاقية تعاون مع مجموعة (Air France-KLM) لإطلاق رحلات مباشرة بين مطار شارل ديغول في باريس والرياض ابتداءً من صيف 2025م.

وفي الشأن التنموي وقع الصندوق السعودي للتنمية والوكالة الفرنسية للتنمية في شهر أبريل من العام 2018م، مذكرة تفاهم تشمل تخصيص (460) مليون ريال سعودي (حوالي 100 مليون يورو) لتمويل مشاريع تنموية في أفريقيا ومنطقة الساحل، ومتابعة الشراكة بين الطرفين من خلال تقييم المشاريع، والبحث، ودراسة الفرص الحيوية، ومدى ملاءمتها للتمويل المشترك، إضافة إلى تبادل الخبرات الفنية عبر مشاركة التقارير والأبحاث التي تعود بالنفع على الطرفين، وتبادل المعرفة حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك التي تسهم في تحقيق الأهداف التنموية للجانبين.

وأسهم التعاون مؤخرًا في تمويل الجانبين مشروع خط الكهرباء بين نواكشوط والنعمة، ومشروع إنشاء وتجهيز معاهد متخصصة في المجالات الحيوية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

وفي إطار الشراكة السعودية - الفرنسية في دعم العمل الإنساني في لبنان، بلغ إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية (32.253.827) مليون دولار أمريكي، شملت (7) مشاريع في مجالات الصحة والأمن الغذائي والزراعي والتغذية، وذلك من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وبالتعاون مع وزارة الخارجية الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، فيما بلغ إجمالي المنح الدراسية السعودية المقدمة للطلاب والطالبات الفرنسيين (12.906.667) مليون دولار أمريكي، ضمن (17) مشروعًا تمكنهم من الدراسة في مؤسسات التعليم العالي داخل المملكة ورعايتهم والإسهام في إعداد علماء متخصصين فاعلين في مجتمعاتهم في جميع التخصصات.

وفي الشأن الثقافي والسياحي عززت المملكة علاقاتها الثقافية مع الجمهورية الفرنسية من خلال تأسيس اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية في عام 2018م؛ بهدف الإشراف على التطوير الشامل ومسيرة التحول لمحافظة العُلا وتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية، وقد عملت اللجنة على حماية وتطوير التراث وصون المواقع الأثرية والتاريخية في العُلا، وتمكين التبادل الفني بين البلدين، وجذب الاستثمارات الفرنسية والعالمية للمحافظة، إضافة إلى التطوير البشري وبناء القدرات.
وشملت مجالات التعاون الثقافي بين المملكة وفرنسا تطوير منتجع شرعان المبتكر المنحوت داخل الصخور الذي صممه المعماري الفرنسـي الشهير "جان نوفيل"، وتنفيذ مشروع ترام العُلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة "ألستوم" الفرنسية إضافة إلى افتتاح مؤسسة "فيلا الحجر" بوصفه أول مركز ثقافي سعودي – فرنسي مشترك في العُلا؛ لتكون منصة للإبداع، والفنون البصرية، والتبادل الفني، وكذلك تدريس اللغة الفرنسية لأبناء وبنات المحافظة لتأهيلهم لقطاع الضيافة والسياحة وبناء القدرات الوطنية في علم الآثار.

ويمثل التعاون السياحي إحدى أولويات الشراكة الإستراتيجية بين المملكة وفرنسا وقد انتقل هذا المجال في يونيو 2026م إلى مستوى تنفيذي من خلال توقيع برنامج عمل مشترك يهدف لتنمية الموارد البشرية والتدريب السياحي، وجذب الاستثمار، والسياحة المستدامة، وتنافسية الوجهات، وتبادل الخبرات، والتقنيات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي المرتبط بالسياحة.

وفي الشأن الرياضي، انطلق التعاون الثنائي بين حكومتي البلدين في مجال الرياضة ورعاية الشباب، بتوقيع مذكرة تفاهم في مدينة باريس عام 1987م، وإعلان نوايا عام 2018م بين وزارة الرياضة ووزارة الرياضة الفرنسية، وفي عام 2020م امتد التعاون بين معهد إعداد القادة والمعهد الوطني الفرنسي للرياضة والخبرة والأداء؛ بهدف تعزيز التعاون في مجال الرياضة، فيما تضمنت آلية التعاون في المسودة المحدثة للشراكة الإستراتيجية بين المملكة وفرنسا "خارطة الطريق للعقد القادم"، التي نصت على (تبادل الاستثمارات في مجال الرياضة، تنظيم الأحداث الرياضية، وتبادل الخبرات في مجال الطب الرياضي والتدريب الرياضي، ونشر الرياضة الترفيهية)، وكان للحضور الرياضي السعودي بمشاركة اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية الثالثة والثلاثون التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس في أغسطس 2024م، بـ (10) لاعبين ولاعبات في قفز الحواجز، والتايكوندو، وألعاب القوى، والسباحة.

مكانة قيادية وآفاق إستراتيجية واعدة
تأتي "زيارة الدولة" التي يجريها الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية، تلبية لدعوة من فخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتعكس تقدير فخامته لقيادة المملكة ومكانتها السياسية والاقتصادية، وثقلها على المستويين الإقليمي والدولي، ودورها المحوري والمؤثر في تعزيز أمن واستقرار المنطقة والعالم.
وتجسد زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية حرص قيادتي البلدين على تطوير العلاقات الثنائية بين المملكة وفرنسا، وتعزيز شراكتهما الإستراتيجية الشاملة، واستثمار إمكاناتهما السياسية والاقتصادية في خدمة المصالح المشتركة، في ظل ما تشهده العلاقات بين البلدين من تطور متسارع.

كما تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية، في إطار حرص المملكة على توثيق شراكاتها الإستراتيجية مع جميع القوى والأطراف الدولية الكبرى والمؤثرة، والمحافظة على علاقات متوازنة معها، بما يخدم مصالح المملكة الوطنية، ويعزز دورها القيادي والمحوري في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

ويتطلع البلدان إلى أن تسهم زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- للجمهورية الفرنسية في تعزيز الاستفادة من الفرص التي تتيحها رؤية السعودية 2030، وخطة فرنسا 2030، لتطوير وتعزيز الشـراكة الاقتصادية بين البلدين في مجالات الاستثمار المشترك، والصناعة، والطاقة، والثقافة والتراث، والسياحة، التعليم، والتقنية، الفضاء، والدفاع والأمن، وغيرها من المجالات.

وتمتاز العلاقة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية بوصفها واحدة من أهم العلاقات في العالم؛ لأنها تستند إلى تاريخ طويل من الثقة والعمل المشترك، ومع استمرار التقارب السياسي، وتوسع الشراكات الاقتصادية، وتزايد التعاون في القطاعات الحيوية، فإن هذه العلاقة ستظل ركيزة أساسية في دعم الاستقرار الإقليمي والازدهار العالمي.