الرأي

مستقبل الحروب.. هل انتهى عصر الجيوش التقليدية؟


كلما اندلع صراع جديد في العالم، يتردد السؤال نفسه: هل انتهى عصر الحروب التقليدية؟ فمن يتابع ما يجري اليوم يلاحظ أن صورة الحرب لم تعد كما عرفناها في كتب التاريخ، فلم تعد الدبابة وحدها هي التي تحسم المعركة، ولم يعد عدد الجنود هو المعيار الوحيد للقوة بل أصبح هناك سلاح آخر لا نراه بالعين، لكنه قد يكون أكثر تأثيرا من الصواريخ، في الماضي كانت الدول حين تعلن الحرب تتحرك الجيوش وتشتعل الجبهات ويكون المنتصر هو من يسيطر على الأرض، أما اليوم فقد تخسر دولة مليارات الدولارات بسبب هجوم الكتروني، أو تتعرض لشلل في مرافقها الحيوية نتيجة اختراق سيبراني، أو تجد نفسها في مواجهة حملة إعلامية ضخمة تستهدف زعزعة الثقة بين الشعب ومؤسساته وهنا تصبح الحرب بلا دخان أو طلقة واحدة لكنها ليست أقل خطورة من تلك التي تدار بالأسلحة.

فلا يمكن الحديث عن شكل الصراعات الحديثة دون التوقف أمام ما يعرف بالحرب الباردة، التي لم تختف بانتهاء القرن الماضي، بل غيرت من شكلها فقط، فبدلا من المواجهة العسكرية المباشرة، أصبحت المنافسة تدور حول الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والنفوذ السياسي وحتى السيطرة على سلاسل الإمدادات والطاقة، فالدول الكبرى تدرك جيدا أن إضعاف خصمها اقتصاديا أو تكنولوجيا قد يحقق ما لا تحققه المعارك العسكرية الكبرى.

ومن أكثر الملفات إثارة للقلق الحديث المتكرر عن الحروب البيولوجية؛ فبالرغم من أن المجتمع الدولي يحظر استخدام العوامل البيولوجية كأسلحة، فإن مجرد امتلاك القدرة العلمية على التعامل مع مسببات الأمراض يفرض على الدول الاستثمار بقوة في مجال الأمن الصحي والبحث العلمي وأنظمة الإنذار المبكر، وقد أثبتت الأزمات الصحية العالمية أن الأمن القومي لم يعد يقتصر على الحدود والسلاح، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الدولة على حماية صحة مواطنيها والاستجابة السريعة للمخاطر.

في المقابل، دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المجال العسكري، فقد أصبحت الطائرات المسيرة والأنظمة الذكية جزءا من ساحات القتال لكنها وبالرغم من كل هذا التطور لا أعتقد بأن التكنولوجيا قادرة على إلغاء دور الإنسان بالكامل، فالقرار العسكري ليس مجرد معادلات وأرقام، بل يرتبط بتقدير الموقف، والخبرة، والمسؤولية السياسية والأخلاقية، وربما تكون الحقيقة أن الحروب لم تتغير في جوهرها، فالهدف ما زال هو تحقيق المصالح وفرض النفوذ، الذي تغير هو فقط الوسائل، فالدولة التي كانت تحتاج في الماضي إلى جيش نظامي ضخم قد تحتاج اليوم أيضا إلى علماء، ومبرمجين، وخبراء في الأمن السيبراني، ومراكز أبحاث لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.

وهنا يتحول السؤال الحقيقي من: هل انتهى عصر الجيوش التقليدية؟ إلى: هل نحن مستعدون لفهم شكل الحروب الجديدة؟ فالمعركة القادمة قد تبدأ برسالة الكترونية، أو بعقوبات اقتصادية، أو بحملة تضليل إعلامي، قبل أن يسمع العالم صوت أول طلقة، ومن يدرك هذا التحول مبكرا، سيكون الأقدر على حماية أمنه ومصالحه في عالم تتغير فيه أدوات القوة بسرعة غير مسبوقة.

NevenAbbass@