اتفاق مكة: تعدد التحالفات هو الاستقلال الاستراتيجي
الاثنين، ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مهم، ليس فقط بسبب ثقله السياسي، بل لأنه أسقط مبكرا واحدة من أكثر الروايات تضليلا حول الاتفاق: أن الرياض تتحرك بعيدا عن واشنطن، أو تستبدل تحالفا بآخر، أو تدخل محورا جديدا على حساب علاقاتها التقليدية.
الحقيقة أبسط وأكثر دلالة. السعودية لا تنتقل من حليف إلى آخر، بل توسع دوائر قوتها. وهذه ليست مفارقة في السياسة الدولية، بل منطقها الطبيعي.
الاتفاق الموقع في مكة المكرمة في 7 أغسطس 2026 ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا، ويهدف إلى تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي. وبعد أيام، أوضحت أنقرة أن العمل يتجه إلى بناء آليات تنسيق سياسية وعسكرية، وتدريبات مشتركة، وتعاون أوسع في الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والحرب الالكترونية والذكاء الاصطناعي والتطوير والإنتاج المشترك ونقل التقنية.
السؤال إذاً ليس: هل اختارت السعودية تركيا وباكستان بدلا من الولايات المتحدة؟ بل: لماذا يفترض البعض أن دولة بحجم السعودية يجب أن تختار شريكا واحدا فقط؟
القوى الكبرى نفسها لا تفعل ذلك.
الولايات المتحدة عضو في حلف الناتو، وفي الوقت ذاته ترتبط بعلاقة استراتيجية عميقة مع إسرائيل، وتبني شراكات أمنية وعسكرية مهمة مع دول الخليج. تحالفها مع إسرائيل لم يمنعها من تطوير علاقاتها مع السعودية وقطر والبحرين والإمارات، كما أن شراكاتها الخليجية لم تعن التخلي عن إسرائيل.
الأمر نفسه ينطبق على الهند. واشنطن تنظر إلى نيودلهي باعتبارها شريكا استراتيجيا مهما، بينما تحتفظ الهند بعلاقات اقتصادية واسعة مع الصين، رغم المنافسة والتوتر بينهما، كما تحافظ على علاقات دفاعية وسياسية قديمة مع روسيا. لم يمنع ذلك الولايات المتحدة من توسيع تعاونها مع الهند، لأن الدول الكبرى تفصل بين ملفاتها، وتبني علاقاتها وفق مصالح متعددة لا وفق منطق المحاور المغلقة. الولايات المتحدة الأمريكية رغم تنافسها مع الصين هنالك شراكة اقتصادية كبيرة تحتاجها الدولتان.
وهذه ليست مجرد مرونة دبلوماسية، بل أحد أشكال إدارة القوة. فالدولة التي تنوع شركاءها تقلل مخاطر الارتهان، وتوسع قدرتها على المناورة، وتمنح نفسها بدائل عند تغير السياسات أو الأولويات لدى أي شريك. في عالم تتبدل فيه الإدارات، وتتغير فيه الحسابات الأمنية بسرعة، يصبح تنويع العلاقات جزءا من حماية القرار الوطني، لا علامة على اضطرابه.
فلماذا يصبح هذا السلوك طبيعيا عندما تمارسه واشنطن أو نيودلهي أو أنقرة، ثم يتحول إلى موضع شك عندما تمارسه الرياض؟
هنا تكمن المشكلة في جزء من النقد العربي لاتفاق مكة. النقد المشروع يسأل عن آليات التنفيذ، وحدود الالتزام العسكري، ومدى قدرة الجيوش الثلاثة على العمل المشترك، وكيف ستدار القيادة والتنسيق، وما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى بنية أمنية مؤسسية حقيقية. هذه أسئلة ضرورية.
لكن تصوير الاتفاق على أنه خروج سعودي من التحالف مع الولايات المتحدة أو خروج من المنظومة الخليجية والعربية ليس نقدا، بل قراءة تتجاهل الواقع. السعودية ما زالت ترى في واشنطن شريكا استراتيجيا رئيسيا، وواشنطن تراها أهم حليف في الشرق الأوسط، وعلاقات البلدين ما زالت واسعة في الدفاع والاستثمار والطاقة والتقنية، آخرها موافقة الإدارة الأمريكية على البرنامج النووي السلمي السعودي. بناء شراكة إضافية مع تركيا وباكستان لا يلغي هذه العلاقة، بل يقلل الاعتماد على مسار واحد ويمنح الرياض هامشا أكبر في إدارة أمنها، تحالف مكة، منظومة خليجية، ومنظومة عربية، وتحالفات مع فرنسا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، وشراكة اقتصادية كبيرة مع الصين، وتنسيق في الطاقة مع روسيا الاتحادية.
واللافت أن بعض الأصوات التي انتقدت لسنوات اعتماد الدول العربية أمنيا على الولايات المتحدة وعدم تنوع الشركات، هي نفسها التي تنتقد اليوم السعودية لأنها تنوع خياراتها. فإذا كان الاعتماد على قوة واحدة مشكلة، فمنطقيا يجب أن يكون توسيع الشراكات جزءا من الحل. أما الاعتراض على الحالتين معا فيوحي بأن المشكلة ليست في شكل التحالف، بل في اتساع هامش الحركة السعودي.
وقد يكون هذا هو جوهر الانزعاج الحقيقي. فالسعودية اليوم لا تتحرك وفق الخريطة القديمة للمنطقة، ولا تقبل أن تكون خياراتها محصورة بين محورين أو ثلاثة كما كان يفترض سابقا. هي تبني علاقاتها بصورة أكثر استقلالا، وتتعامل مع كل شريك من زاوية ما يضيفه إلى مصالحها، لا من زاوية ما يفرضه عليها من اصطفاف كامل.
اتفاق مكة مهم أيضا لأنه يجمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة. السعودية تملك الثقل السياسي والاقتصادي والموقع الجغرافي، وتركيا تملك خبرة عسكرية وقاعدة صناعات دفاعية متقدمة، وباكستان تملك قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية. وإذا تحولت هذه العناصر إلى تدريب مشترك وتبادل معلومات وتكامل دفاعي وتصنيع عسكري ونقل تقنية، فإن الاتفاق سيصبح أكثر من مجرد تفاهم سياسي، واتفاق مكة يملك الحيز لإضافة دول أخرى مثل مصر وسوريا ودول خليجية.
هذا هو جوهر الاستقلال الاستراتيجي: ألا يكون أمن الدولة مرهونا بعاصمة واحدة، وألا تختزل خياراتها في تحالف واحد.
ولا يعني ذلك أن الاتفاق يجب أن يعفى من النقد. قيمته الحقيقية لن تقاس بالبيانات ولا بالصور التذكارية، بل بما سينتج عنه عمليا: هل ستتطور آليات القيادة؟ هل ستتكامل أنظمة الدفاع؟ هل ستظهر مشاريع تصنيع مشتركة؟ وهل سترتفع كلفة الاعتداء على أي من أطرافه؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش.
أما اختزال كل ذلك في سؤال: هل ابتعدت السعودية عن أمريكا؟ أو ابتعادها عن مجلس التعاون الخليجي أو الجامعة العربية وهي تقود المشهد في الملفات العربية والخليجية والإسلامية فهو سؤال ينتمي إلى مرحلة أقدم من السياسة الإقليمية.
الشرق الأوسط يتغير، وكذلك طريقة الدول في بناء أمنها. السعودية تستطيع أن تحافظ على تحالفها مع واشنطن، وأن تبني اتفاقا دفاعيا مع أنقرة وإسلام آباد، وأن توسع علاقاتها مع آسيا وأوروبا في الوقت نفسه.
ليست هذه سياسة محاور متناقضة، بل سياسة دولة تدرك أن القوة في العالم الجديد لا تأتي من حليف واحد، بل من تعدد الخيارات.
السعودية لا تغير حلفاءها. هي تغير قواعد اللعبة، وتبني لنفسها مساحة أوسع من القرار والقوة.
mr_alshammeri@