الرأي

الرياض وباريس وإخماد نيران حرائق خرائط المنطقة



العالم ملتهب. الشرق الأوسط تحديدا يقف على برميل بارود. أزماته كثيرة وعديدة متصاعدة. هذا قدر المنطقة. لا السياسة ولا الاقتصاد كل شيء. صحيح أن الثاني أب للأول، لكن بالارتباط بعوامل أخرى، كالثقة والوفاء بالوعود والعهود والمصداقية بين الحلفاء.

حين انتقد البعض الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بعد منحه الجمهورية الإسلامية الإيرانية 1.7 مليار دولار عام 2017؛ تحت ذريعة أنها أموال تعود لعقود لحقبة ما قبل الثورة الخمينية، فهم صانع القرار الأمريكي أن تلك الانتقادات تنم عن جهل في السياسة، أو قائمة على تصفية حسابات خاصة مع نظام الولي الفقيه.

والحقيقة أن الإدارة الأمريكية لم تعمل على تشخيص تركيبة النظام الإيراني الراديكالي بالطريقة الصحيحة، وعاملته بسذاجة تحت غطاء حسن النوايا، ما النتيجة؟ لم تضع طهران دولارا واحدا لإنعاش الاقتصاد المرتبط بحياة الإنسان الإيراني؛ وبددت تلك المليارات في مشروعها الأيديولوجي الذي يعزز الفرقة والكراهية، وتنشيط تغذية أذرعتها التخريبية في المنطقة، ومساندتها نظام السفاح بشار الأسد.

خلال فترة ما يسمى بالربيع العربي، كان لباراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون رأي وتوجه فيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. وضعا عنوان «الفوضى الخلاقة» على الطاولة، من باب دعم أشكال معينة من الزعزعة، لتصل الشعوب لقناعة القبول والرضى بمنح الفرص السياسية لجميع الأطياف، بما في ذلك الأحزاب المؤدلجة، التي في مضمونها أقرب ما تكون ميليشيات متطرفة، وليست تكتلات سياسية يمكنها المشاركة في السلطة. ما المحصلة؟ دمار وخراب، بدليل تجارب حكم الإخوان في مصر وتونس وحتى ليبيا، التي تكفي لأن تكشف عن فشل تصورات السياسة الأمريكية وقتذاك.

وتراكمات أخطاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة كثر، لا مجال لذكرها، لأنها ليست موضوعي، المرتبط هذا اليوم بأزمة الثقة العالمية التي صنعتها واشنطن ولا تزال تعيش على ارتداداتها، لا سيما مع الدول المحسوبة حليفة تاريخيا للولايات المتحدة الأمريكية. أستطيع الاستدلال بهذا المقام بالسعودية؛ ودول الخليج برمتها.

دون شك لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ ولاية جورج بوش الابن، التي شهدت غزو العراق، وأفغانستان، حتى اليوم، يرافق التذبذب مؤشر العلاقات الأمريكية مع دول الخليج وعلى رأسها المملكة. فلم يصل ذلك الارتباط لقطيعة كاملة، ولا لتوافق مطلق، إنما عاش على نوع من الفتور والتباينات والتقاطعات.

أتصور أنه منذ ذاك الوقت اتخذت الرياض قرار تغيير تموضعها السياسي والدبلوماسي، وتبنت في ذهنيتها السياسية، مفهوم تعدد التحالفات، وكسر النمطية السائدة المعتمدة على طرف واحد، بصرف النظر عن تأثيره ونفوذه العالمي.

اتجهت الرياض للصين، باعتبارها قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة عالميا، وكذلك روسيا. وفتحت خطوطا متعددة مع القارة العجوز. وأسست أرضية رافعة للثقة فيما بينها وبين فرنسا على سبيل المثال لا الحصر، كون باريس منفذا أوروبيا تستطيع المملكة الدخول له لبقية دول القارة الأوروبية.

والثقة التي ذكرتها بين الرياض وباريس، هي التي ستقود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، بناء على أمر الملك سلمان، ليحط رحاله الاثنين في فرنسا.

وما إذا أردنا الحديث عن الزيارة فيجب النظر إلى عدة محاور. مثل؟ أولا: التوقيت: فهو أهم عنصر تجدر الإشارة له، لأن المنطقة تمر بلحظات تاريخية، وتوترات غير مسبوقة. فالممرات المائية العالمية المضطربة وفقدان الأمن الملاحي العالمي بفعل فاعل، لن يبتعدا عن المباحثات السعودية الفرنسية بهذه الزيارة الهامة والحساسة.

ثانيا: يجب أن يكون ملف إيران حاضرا، من باب البحث عن وسائل تهدئة تمنع تصعيد الحرب بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لن تكون المنطقة بمنأى عنها. بالمناسبة ما إذا جئنا على ذكر الملف الإيراني، فمن البديهي أن يفهم وجود الملف اللبناني، الذي حوله حزب الله لرهينة في حسابات إيران مع العالم. وكذلك الحوثي في اليمن، وبقية العصابات التابعة للولي الفقيه.

حسنا؛ السؤال: لماذا فرنسا على وجه التحديد؟ لأنها دولة هامة على النطاق العالمي، فهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وتملك حضورا سياسيا واقتصاديا في دول الخليج. وعسكريا في بعض أجزاء من القارة السمراء. كدول الساحل الأفريقي، رغم أن ذلك التواجد شهد تراجعا خلال الاثني عشر شهرا الماضية. لكن هذا لا يعني أنها لم تعد تملك نفوذا فاعلا في المنطقة.

ثم يحسب لفرنسا موقفها وإبداء الاستعداد للمشاركة بحماية أمن مضيق هرمز، بعد أن أطبقت طهران حصارها عليه الشهر ما قبل الفائت. ماذا يعني ذلك؟ وجود منطق لتحمل المسؤولية الدولية، ليس بحثا عن موضع في الصراع، بل على أساس إدراك لأهمية هذا الشريان العالمي، الذي يغذي الأرض ومن عليها بالنفط ومشتقات الطاقة.

إن الزيارة التي يقوم بها ولي العهد لباريس ليست للنزهة، ولا للترويح عن النفس، ولا للهروب من ضغوطات السياسة. إنها للبحث عن حلول للأزمات المشتعلة، وذلك لن يكون دون تعزيز ثقة ومصداقية البلدين المتبادلتين.

بالنهاية: أستطيع القول إنه لقاء تاريخي.. هدفه إخماد نيران حرائق خرائط المنطقة.