الرأي

لا تحمل ما يستطيع غيرك حمله



ليس كل عبء عدوا يجب التخلص منه، ولا كل مشقة ظلما يجب رفعه؛ فالحياة لم تجعل المسؤوليات عقوبات تثقل كاهل الناس وترهقهم، وإنما جعلتها أدوات لبناء الإنسان، ووسائل لصناعة جودة حياة البشر.

كثير من الصفات التي نعجب بها في أصحاب الخبرة والنضج؛ كالصبر والانضباط وحسن التصرف والثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار، لم تولد معهم، وإنما صنعتها مسؤوليات حملوها في أوقاتها، وتجارب واجهوها بأنفسهم، وأخطاء تعلموا منها، ولهذا فإن الخطأ لا يكون دائما في ترك الناس وحدهم، بل قد يكون أيضا في حمل كل شيء عنهم.

الإنسان الذي يجد من يؤدي عنه ما يستطيع أداءه، لن يشعر بالحاجة إلى تطوير نفسه، ولن يتعود على المبادرة، ولن يكتسب القدرة على تحمل نتائج أفعاله؛ وقد يظن من حوله أنهم أحسنوا إليه، بينما هم في الحقيقة حجبوا عنه فرصة إمكانية أن تصنع فيه نضجا ما كان ليبلغه بغيرها، ومن هنا ينبغي أن نفرق بدقة بين الإعانة والإلغاء؛ فالإعانة أن تمد يدك لإنسان ليتمكن من الوقوف، أما الإلغاء فهو أن تقف مكانه، وتمشي عنه، وتحمل ما كان قادرا على حمله بنفسه، وقد يتشابه الأمران في الظاهر، لكن الفارق بينهما عظيم في الأثر؛ فالأول يبني إنسانا قادرا، والثاني يصنع إنسانا يعتمد على غيره.

أمر آخر مختلف؛ نحن نحمل عن الآخرين ما يستطيعون حمله، لا لأنهم عاجزون، بل لأننا لا نتحمل أن نرى عملا ناقصا، أو لأنه لا نثق إلا بأنفسنا، أو لأننا اعتدنا أن نكون حبال النجاة، وهنا لا تصبح المشكلة في الآخرين، بل في تصورنا لأدوارنا؛ إذ نظن أننا نصلح الأمور، بينما نحن من حيث لا نشعر، نربي من حولنا على الاعتماد علينا، وهذه الصورة تتكرر في حياتنا أكثر مما نتصور، فكثير من الآباء يظنون أن كمال الحب يعني تجنيب أولادهم كل عبء، وكثير من الأمهات يبادرن إلى إنجاز كل ما يستطيع أبناؤهن وبناتهن القيام به، وفي محيط الأسرة، قد يتحمل أحد الزوجين أعباء البيت وحده، ظنا أنه يقدم أقصى درجات العطاء، بينما هو يرسخ مع مرور الوقت خللا في تحمل المسؤوليات، ولا يختلف المشهد كثيرا في بيئات العمل؛ فكم من موظف أنهك نفسه لأنه اعتاد إنجاز أعمال زملائه قبل أن يطلبوا المساعدة، وكم من مدير حرم فريقه فرصة النمو لأنه يقوم بالدور نيابة عن الجميع، فبقي الفريق اتكاليا ينتظر حضوره في الصغيرة والكبيرة.

ختاما.. ليس المقصود من مقالي الدعوة إلى التخلي عن المسؤولية أو التقليل من شأنها، وإنما الدعوة إلى حسن توزيعها؛ فالإنسان الناضج لا يقيس قيمته بكمية ما يحمله، بل بقدرته على أداء مسؤوليته كاملة، مع ترك المجال لغيره ليؤدي مسؤوليته كاملة أيضا، وخاصة أن من أكبر أسباب الإرهاق في الحياة أن يتحول المرء إلى الذي يقوم بكل شيء، بينما يعتاد الآخرون ألا يقوموا بشيء؛ وحين يترسخ مفهوم أن إعانة العاجز رحمة ومروءة، وإعانة القادر حرمان له من بناء نفسه، سيتغير أسلوبنا في التربية والأسرة والعمل، وعلاقاتنا المختلفة كلها؛ فلا نبادر إلى حمل كل شيء، ولا نتخلى عن كل شيء، بل نزن كل مسؤولية بميزانها الصحيح، ونعرف متى نتقدم لمد يد العون، ومتى نتراجع لنمنح غيرنا فرصة النضج، وسنستوعب أن ليس كل الأعباء في الحياة تستحق أن ترفع، لأن كثيرا منها تصنع الإنسان السوي، وصدق الحق: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.