الرأي

نبض الشوارع واختبار الشرايين: رسالة مفتوحة إلى أمين جدة حول أزمة الاختناقات المرورية

صرخات قلم وحبر يروي معاناتنا اليومية

لم يعد خفيا على أحد، ولا يغيب عن عين متابع أو ساكن، ذلك الكم الهائل من المقالات والكتابات الصحفية والدراسات النقدية التي طالعتنا بها الصحف المحلية والمنصات الرقمية طوال السنوات الماضية، مناقشة وباحثة في جذور وتداعيات أزمة الازدحام المروري المستحكمة في مدينة جدة. لقد كتب الكتاب، وصدحت أصوات المواطنين، ورفع المهتمون بالتخطيط الحضري آلاف التوصيات عبر الصحف والمجلات، مشيرين بأصابع الاتهام إلى الشرايين الرئيسية والطرق الحيوية التي تتخبط في تكدسها يوميا، وخصوصا في أوقات الدوامات الرسمية وفترات الذروة. ورغم تعاقب التقارير وارتفاع نبرة الشكوى، ظل المتابعون يترقبون بفارغ الصبر بصيص أمل أو حلولا جذرية وملموسة تعيد السيولة المرورية لشوارع عروس البحر الأحمر، ولكن المؤسف حقا أننا لم نشهد حتى الآن أي معالجات حقيقية ترتقي لحجم المشكلة أو تنهي كابوس الانتظار الطويل على الطرقات والشوارع والشرايين الحيوية للمدينة!

استراحة صيفية خادعة وعودة وشيكة لكابوس الذروة

لقد استقبلنا الإجازة الصيفية هذا العام كعادتنا بمشاعر ملؤها الارتياح النسبي؛ حيث تنفس الصعداء ملاك المركبات والعائلات بعد أن خفت حدة الاكتظاظ المروري بشكل ملحوظ خلال ساعات النهار. صحيح أن الفترة المسائية كانت تشهد بعض الكثافة المرورية المعتادة بحكم الحراك السياحي والتجاري للمدينة، إلا أنها كانت تبدو أهون بكثير ومرنة مقارنة بالعاصفة المرورية التي تلوح في الأفق مع اقتراب موعد عودة القطاع التعليمي للمدارس والجامعات.

ها نحن نترقب بعد أيام قليلة عودة ملايين الطلاب والطالبات والمعلمين والإداريين إلى مقاعد الدراسة والعمل، لتبدأ معها الكرة بمحركاتها الدائرة في العودة إلى نقطة الصفر. ستتكرر الأزمة ذاتها، وسنجد السيناريو المعتاد يتجدد؛ حيث نقف جميعا مشدوهين أمام طوابير السيارات الطويلة، بينما تقع المسؤولية الكبرى على عاتق رجال المرور الأبطال، الذين نراهم مشكورين منتشرين بكل تفان واكتظاظ تحت لهيب الشمس وفي مفترقات الطرق، يبذلون قصارى جهدهم لحل ومعالجة الاختناقات وتسهيل الحركة المرورية يدويا وبجهود مضنية تعكس إخلاصهم العالي، لكن الجهد الفردي لرجال المرور لا يمكن أن يكون حلا مستداما لهيكلية مدينة بحجم جدة.

غياب القطاعات المعنية... أين الحلول الاستباقية؟

في الوقت الذي يثبت فيه رجال المرور حضورهم الميداني الدائم، نتساءل بحرقة واستغراب عن دور القطاعات والجهات الأخرى ذات العلاقة بالتخطيط العمراني والهندسي والخدمي داخل النطاق العمراني لمدينة جدة. المفترض بحكم الاختصاص والتكامل الحكومي أن تكون تلك القطاعات هي السباقة والملهمة في معالجة أي ازدحام مروري قبل فوات الأوان، من خلال وضع حلول هندسية سريعة، وذكية، وناجحة، تعيد توزيع الأحمال المرورية وتستبق الأزمات لا أن تكتفي بمشاهدتها تتكرر كل عام وكأنها قدر محتوم. إن ترك الشوارع تعاني من الاختناقات ذاتها دون تطوير حقيقي في البنية التحتية المرورية أو إيجاد بدائل للنقل العام الفعال يعكس فجوة واضحة في العمل المؤسسي التكاملي الذي تنتظره المدينة العريقة.

التساؤل الكبير لسعادة أمين مدينة جدة الجديد

من هذا المنطلق، وباسم آلاف الساكنين والمتضررين يوميا من قسوة الزحام، نوجه تساؤلنا المباشر والصريح إلى سعادة أمين مدينة جدة، الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه، الرجل الذي تقلد هذه الأمانة الكبرى مستندا إلى خبرة واسعة وسجل إداري واقتصادي وقيادي مشهود:

سعادة الأمين... ما الذي ستقوم به أمانة مدينة جدة بخصوص معالجة مشاكل الازدحام المروري الفادحة في فترة سعادتكم؟

إننا نضع بين يديكم هذا الملف الملتهب ونحن نعاني الأمرين في فترات الذروة، وأوقات الدوامات الرسمية، وتزامن ذلك مع مباشرة الطلاب لعملية التعليم، وعودة المسافرين، ورجوع الحياة الأكاديمية والعملية إلى سابقتها من الفترات القاسية، التي لم نر فيها حتى تاريخه أي جديد يلوح في الأفق يغير من قتامة المشهد المروري.

نحو أنسنة المدينة وتحقيق جودة الحياة

إننا ندرك تماما حجم التحديات التي تواجه الإدارة المحلية في مدينة واسعة مترامية الأطراف كجدة، ولكننا نعلق الآمال الكبيرة بعد الله عز وجل، ثم في سعادتكم وفي تفاني جهود أمانة جدة والقطاعات الحكومية والخدمية الأخرى، لانتشال هذا الوضع الذي بات مشكلة مستمرة ومؤرقة تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية العامة والصحة النفسية للسكان.

إن تفاقم هذا الازدحام يعارض بشكل صارخ تطلعات "أنسنة المدينة" التي تسعى إلى جعل المدن السعودية صديقة للإنسان، وبيئة جاذبة ومريحة للعيش، كما أنه يقف حجر عثرة أمام المؤشرات الحقيقية لجودة الحياة التي تسعى قيادتنا الرشيدة بكل قوة لتحقيقها في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030.

سعادة الأمين... إن أهالي جدة يترقبون بفارغ الصبر بصمتكم التنموية القادمة، وكلهم أمل في أن تتحول خطط الأمانة من الدراسات الورقية إلى مشاريع هندسية ذكية وناجزة على أرض الواقع، تعيد لشارع جدة انسيابيته، وتزرع الابتسامة على وجوه الموظفين والطلاب وهم يعبرون شوارعه بكل يسر وسهولة.