كبّس كبّس.. لله يا محسنين
الخميس، ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
لم يعد التسول يقف على أبواب المساجد أو عند إشارات المرور أو في الأسواق؛ بل وجد لنفسه اليوم أبوابا جديدة، أكثر اتساعا وأسرع وصولا، اسمها البثوث المباشرة.
فهناك من يفتح بثه المباشر لا ليقدم معرفة، ولا ليشرح تجربة، وإنما ليجلس أمام الكاميرا منتظرا «الكبسة» تلو الأخرى، وكأن الشاشة تحولت إلى صندوق التبرع، والمتابعين إلى محسنين بنسخة رقمية.
«كبس كبس.. لله يا محسنين».
عبارة قد تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختصر مشهدا يستحق التأمل؛ حين يصبح طلب الهدايا الرقمية هدفا بحد ذاته، وتتحول المشاهدات إلى وسيلة لاستدرار العاطفة، ويصبح البث مسرحا تتنافس فيه الحكايات المؤثرة، والظروف المفتعلة أحيانا، والنداءات المتكررة: ادعم، أرسل، كبس، لا تبخل.
المشكلة ليست في أن يدعم الشخص من يحب أو يعجب بمحتواه، فذلك حقه، ولا في أن يكافئ صاحب موهبة أو محتوى يستحق؛ وإنما في تحول الاستجداء إلى محتوى، والتسول إلى مهنة، واستغلال عاطفة الناس إلى وسيلة للثراء.
والأشد غرابة من ذلك أن بعض هذه البثوث لا تكتفي بطلب المال فحسب، بل تصنع حوله منافسة من أرسل أكثر؟ ومن تصدر قائمة الداعمين؟ وكأن قيمة الإنسان باتت تقاس بما يضعه من هدايا رقمية في حساب الآخرين.
نحن في زمن أصبحت فيه التقنية قادرة على إيصال العلم والخبرة والفكرة إلى ملايين الناس، فمن المؤسف أن تتحول بعض المنصات إلى ساحات لمد اليد والتسول من خلف الشاشة، فليست كل يد ممدودة محتاجة، ولا كل قصة تروى أمام الكاميرا حقيقة، ولا كل من قال «لله يا محسنين» يستحق أن نحسن إليه، فكرامة الإنسان أغلى من أن تعرض أمام الناس، والمحتاج يسأل بقدر حاجته، وليحفظ ماء وجهه، وليتجنب جعل حاجته وسيلة لكسب التعاطف والمتابعين.
فنحن هنا لا نقصد ذم المحتاج أو من يمر بضائقة؛ فالحاجة لها أحكامها، وإعانة المحتاج باب من أبواب الخير. لكن الفرق كبير بين من يسأل لحاجة حقيقية، وبين من يجعل البث وسيلة دائمة لاستجلاب المال والهدايا واستغلال مشاعر الناس. فاحفظوا كرامتكم، ولا تجعلوا محتواكم مادة للعرض والمتاجرة بالمشاعر.
dakhelalmohmadi@
فهناك من يفتح بثه المباشر لا ليقدم معرفة، ولا ليشرح تجربة، وإنما ليجلس أمام الكاميرا منتظرا «الكبسة» تلو الأخرى، وكأن الشاشة تحولت إلى صندوق التبرع، والمتابعين إلى محسنين بنسخة رقمية.
«كبس كبس.. لله يا محسنين».
عبارة قد تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختصر مشهدا يستحق التأمل؛ حين يصبح طلب الهدايا الرقمية هدفا بحد ذاته، وتتحول المشاهدات إلى وسيلة لاستدرار العاطفة، ويصبح البث مسرحا تتنافس فيه الحكايات المؤثرة، والظروف المفتعلة أحيانا، والنداءات المتكررة: ادعم، أرسل، كبس، لا تبخل.
المشكلة ليست في أن يدعم الشخص من يحب أو يعجب بمحتواه، فذلك حقه، ولا في أن يكافئ صاحب موهبة أو محتوى يستحق؛ وإنما في تحول الاستجداء إلى محتوى، والتسول إلى مهنة، واستغلال عاطفة الناس إلى وسيلة للثراء.
والأشد غرابة من ذلك أن بعض هذه البثوث لا تكتفي بطلب المال فحسب، بل تصنع حوله منافسة من أرسل أكثر؟ ومن تصدر قائمة الداعمين؟ وكأن قيمة الإنسان باتت تقاس بما يضعه من هدايا رقمية في حساب الآخرين.
نحن في زمن أصبحت فيه التقنية قادرة على إيصال العلم والخبرة والفكرة إلى ملايين الناس، فمن المؤسف أن تتحول بعض المنصات إلى ساحات لمد اليد والتسول من خلف الشاشة، فليست كل يد ممدودة محتاجة، ولا كل قصة تروى أمام الكاميرا حقيقة، ولا كل من قال «لله يا محسنين» يستحق أن نحسن إليه، فكرامة الإنسان أغلى من أن تعرض أمام الناس، والمحتاج يسأل بقدر حاجته، وليحفظ ماء وجهه، وليتجنب جعل حاجته وسيلة لكسب التعاطف والمتابعين.
فنحن هنا لا نقصد ذم المحتاج أو من يمر بضائقة؛ فالحاجة لها أحكامها، وإعانة المحتاج باب من أبواب الخير. لكن الفرق كبير بين من يسأل لحاجة حقيقية، وبين من يجعل البث وسيلة دائمة لاستجلاب المال والهدايا واستغلال مشاعر الناس. فاحفظوا كرامتكم، ولا تجعلوا محتواكم مادة للعرض والمتاجرة بالمشاعر.
dakhelalmohmadi@