الرأي

مباركة ترامب لاتفاقية مكة.. هل تغير واشنطن قواعد اللعبة؟


من يراقب المشهد السياسي في الشرق الأوسط لا بد أنه توقف كثيرا أمام مباركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاتفاقية مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

والدهشة هنا ليست في أن ترامب يؤيد اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول صديقة للولايات المتحدة، وإنما بتساؤل أهم: فهل كانت هذه المباركة مجرد موقف تعودناه كثيرا في سرعة تبديل وجهات نظر ومواقف الرئيس، لدرجة اعتياد تبنيه للمواقف والقرارات ثم نكثها بعد دقائق، أم أنها هذه المرة تأتي كجزء من سياسة أمريكية رصينة جرى التفكير فيها بهدوء وتمعن، وتم تأييدها كونها تخدم أهدافا أكبر مما يبدو على سطحها؟

اتفاقية مكة ليست اتفاقية عسكرية عابرة؛ فهي تقوم على الدفاع المشترك والتنسيق السياسي والعسكري، وقد فتحت تركيا الباب أمام توسعها لتشمل دولا أخرى، لذلك فإن مباركة ترامب لها يمكن أن تعني أن واشنطن بدأت تنظر إلى المنطقة بطريقة مختلفة، فليس بالضرورة أن تكون أمريكا هي الشرطي الموجود في كل أرض وممر مائي، بل يمكن أن تترك لأصدقائها مساحات أكبر ليتولوا بأنفسهم جانبا من مسؤولية أمنهم، ما دام ذلك لا يتعارض مع المصالح الأمريكية.
وهنا تشتعل الحيرة!
فأمريكا ترامب تخوض علاقة شديدة الخصوصية مع إسرائيل، وتعمل منذ سنوات على توسيع دائرة التطبيع، بل إن ترامب نفسه ربط في يوليو الماضي بعض جوانب التعاون النووي المدني مع السعودية بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.

فكيف نفهم إذن مباركة اتفاقية يمكن أن تمنح ثلاث دول إسلامية كبيرة قدرة أكبر على صناعة قرارها الأمني والسياسي بعيدا عن الانتظار الدائم للمظلة الأمريكية؟

ربما تكون الإجابة في أن واشنطن لا ترى في الاتفاقية خصما، بل أداة يمكن أن تخدمها وسط شرق أوسط أكثر قدرة على حماية نفسه، ما يعني الأقل من الجنود الأمريكيين، وأقل أعباء، ومساحة أكبر للمناورة الأمريكية في مواجهة الصين وروسيا، مع إبقاء خطوط الشراكات مفتوحة.

وربما تكون واشنطن قد أدركت أن الأصدقاء الأقوياء أفضل ممن يطلبون منها الحماية.
لكن يبقى السؤال الإسرائيلي هو الأصعب.
هل تنظر إسرائيل إلى هذه الاتفاقية باعتبارها قوة دفاعية مستقرة، أم باعتبارها بداية لظهور مركز إقليمي قوي قادر على اتخاذ القرار بعيدا عن الإملاءات الخارجية؟
وكيف تستطيع واشنطن الجمع بين دعم أمن إسرائيل، وبين السماح بنشوء توازن إسلامي جديد في المنطقة؟
لهذا فإن مباركة ترامب تقع في المنتصف بين التفاؤل والتشاؤم.

مباركة تحتاج إلى وقت، وإلى أفعال إيجابية لاحقة تثبت أن المباركة ليست مناورة مؤقتة، ولا محاولة لاحتواء نتائج اتفاقية مكة قبل أن تكبر.

نحن في الشرق الأوسط نتمنى أن تكون واشنطن قد بدأت تفهم أن المنطقة لا تحتاج لمفهوم الشرطي، بل إلى دول مسؤولة تعرف كيف تحمي مصالحها، وتمنع الفوضى، وتفتح أبواب التنمية، وتسعى للسلام، دون أن تتحول دول المنطقة الكبيرة والصغيرة إلى إدارة خيانات وابتزاز وتلاعب بمصائر الشعوب.

وإذا كانت مباركة ترامب تعني هذا فعلا، فستكون اتفاقية مكة بداية صنع شرق أوسط جديد؛ يصنع أمنه بيده، ويرعاه، ويتعاون مع أمريكا، لكنه لا ينتظرها عند كل منعطف.

shaheralnahari@