مسجد البيعة.. لوح مفقود يعود بعد 600 عام وتحولات المكان ومشروع الأمير محمد بن سلمان
الخميس، ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦يوافق هذا العام مرور 1448 عاما هجريا على الهجرة النبوية الشريفة، ومن أبرز الأحداث التي مهدت لها بيعتا العقبة الأولى والثانية، فقد كانت البيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار مقدمة للهجرة النبوية والنواة الأولى لقيام الدولة الإسلامية، وما أعقبها من تحولات في مسيرتها.
وفي عام 144هـ، قام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتشييد مسجد في موضع البيعة، تخليدا لهذه الذكرى العطرة وحفظا لموضعها، وظل المسجد موضع عناية الخلفاء والولاة، الذين حرصوا على صيانته وتجديد عمارته عبر القرون.
وامتدادا لهذه السلسلة المباركة من العناية بهذا المعلم التاريخي، وبعد نحو 1300 عام من تشييد المسجد، جاء مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية في مرحلته الثانية، ليشمل مسجد البيعة، حيث جرى تجديده وإعادة بنائه، بما يحافظ على مكانته التاريخية، ويعيد إحياء أحد أبرز المعالم المرتبطة بالسيرة النبوية الشريفة.
ومن القصص التي ارتبطت بهذا المسجد قصة اكتشاف اللوحة التي ظلت مفقودة لنحو 600 عام. فقد ذكر العلامة تقي الدين الفاسي (775–832هـ) 3 أحجار كانت مرتبطة بالمسجد، أما الحجر الثالث، الذي نقش عليه تاريخ عمارة المسجد في عهد المستنصر بالله، فقد ذكر الفاسي أنه كان ملقى حول المسجد لتخرّبه.
وظل هذا الحجر، الذي أشار إليه الفاسي، مفقودا قرابة 6 قرون، إلى أن عثر عليه من جديد على يد الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان - رحمه الله - والدكتور معراج نواب مرزا، أثناء قيامهما ببحث علمي بعنوان «منى المشعر والشعيرة: دراسة فقهية جغرافية حضارية» قدم إلى مجلة البحوث الفقهية المعاصرة.
وخلال زيارات ميدانية متكررة لمسجد البيعة عامي 1420هـ و1421هـ، كانت آخرها عند الساعة الخامسة بعد عصر يوم الأحد 10 ذي القعدة 1421هـ، جرى تنظيف وإجلاء اللوح الثالث الذي ذكره العلامة الفاسي، بعد أن اكتشف وحدد موضعه في زيارات سابقة.
وقد اصطحب الباحثان في تلك الزيارة الأدوات اللازمة للكشف عن الحجر وإظهار الكتابة المنقوشة على صفحته، إذ كان مغطى بطبقة من الرخام البلدي، ومحكم الإلصاق من حوافه وجوانبه بطبقة كثيفة من التلييس البلدي المكون من الطين والنورة. وبعد إزالة هذه الطبقات بعناية، ظهرت الكتابة المنقوشة على الحجر الأسود، مع وجود بعض الشطب في الجهة اليمنى والجزء السفلي منه.
وبظهور النقش، تبين أن التاريخ المنقوش على الحجر هو سنة (625)، خلافا لما ذكره العلامة الفاسي وتبعه المؤرخون من بعده، من أن تاريخ عمارة المسجد كان سنة (629).
وهكذا، وبفضل الله وتوفيقه، تم اكتشاف اللوح المفقود من آثار مسجد البيعة بعد نحو 6 قرون من ذكر العلامة تقي الدين الفاسي له، ليقدم شاهدا ماديا مهما يوثق تاريخ عمارة المسجد عبر العصور.
وبعد تطوير منطقة الجمرات والانتهاء من المشروع عام 1429هـ، تبدل المشهد العمراني المحيط بالمسجد، فأصبح مسجد البيعة بارزا للغادي والرائح إلى منى، ظاهرا للعيان بعد إزالة جبل العقبة وما كان يحيط بالمسجد من الجبال من جهاته الشمالية والغربية والجنوبية.
وقد وثق الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، عضو هيئة كبار العلماء - رحمه الله - هذه المرحلة في موضوع مطول عن المسجد، حمل عنوان «معالم إسلامية: مسجد البيعة بين القديم والجديد»، نشرته جريدة عكاظ في 4 أجزاء، ابتداء من 26 / 9 / 1431هـ، مسجلا جانبا من تاريخ المسجد وموقعه، وما طرأ على المنطقة المحيطة به من تغيرات.
ويبقى مسجد البيعة شاهدا على ذاكرة المكان والزمان، من بيعة العقبة إلى اللوح المفقود، وصولا إلى عناية الدولة بتطويره والحفاظ عليه للأجيال.
makkawicom@