الرأي

أقم الجدار


هنالك جدران تقام لتحمي مستقبلا، وتحرس أملا، وتحفظ كرامة؛ هذه هي الفكرة التي تتجلى في المشهد القرآني البديع بسورة الكهف قال تعالى «فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه» الآية 77.

جدار آيل للسقوط، ومع ذلك يقام من جديد، لا لأن الحجارة تستحق العناية، بل لأن تحتها كنزا ثمينا ينبغي أن يبقى مصانا لمصلحة أصحابه؛ ليس هنالك أحد من سكان القرية حاول أن يقدم يد العون للغلامين مع أنهما يتيمان يحتاجان المساعدة؛ فجاء الدعم من خارج القرية ممن امتلك الشعور المعنوي والمسؤولية الإنسانية.

إنها رسالة عميقة تتجاوز البناء لتوعية الإنسان، وتتجاوز المادة ليبقى الأمان؛ نتعلم منها أن حق حماية الكنز يبدأ بحماية ما يستره.

في حياتنا، لا تقل الكنوز البشرية قيمة عن الكنوز الدفينة، بل لعلها أثمن، فكم من إنسان بيننا يحمل بداخله روحا منكسرة وعقلية مبدعة، وفكرة مبتكرة، وموهبة استثنائية، لكنها تقف على حافة الانهيار لأن جدارها لم يجد من يقيمه.
كم من شاب خذلته كلمة استهانت من إنجازاته، وكم من باحث أرهقته قلة إمكاناته، وكم من محتاج أغلقت الأبواب أمامه؛ ليست المشكلة في غياب الكنز، بل في غياب من أدرك الجدار ليقيمه.

إن أعظم استثمار يكون في إقامة الجدار؛ بمنح القيمة، وتهيئة البيئة، والصبر للحصول على النتيجة، تماما كما يحتاج الجدار إلى من يسنده قبل أن يتهاوى.
ليس الدعم دائما في المال بل في بناء الآمال؛ كلمة صادقة، أو فرصة عادلة، أو لفته كريمة، أو نظرة قائد يرى ما لا يراه الآخرون، كفيلة بإقامة الجدار.

كم من إنسان غيرت حياته عبارة «أنت تستطيع»، و«الله يساعدك» و«أنا معك»، و»أنا مؤمن بقدراتك»، و«اصبر ستظفر»؛ وكم من مشروع عظيم بدأ بثقة منحها الإنسان المناسب في الوقت المناسب للشخص المناسب.

الأمم العظيمة لا تصنعها الموارد الطبيعية، وإنما قدرتها على اكتشاف الكنوز البشرية، والبيوت الناجحة لا تقاس بعدد أفرادها وثرواتها، بل بعدد الجدران الداعمة التي تمت إقامتها.

لعل أكثر ما نفتقده اليوم؛ ثقافة «إقامة الجدار»، وفلسفة «إيجاد أصحاب الكنوز» نستعجل الثمر قبل أن نسقي الشجر، ونطالب بإنجاز البشر قبل أن نساعد المتعثر؛ من المفترض أن نتساءل: هل وجدوا من يدعمهم ويساندهم؟ وهل منحناهم ما يكفي من الأدوات والإمكانات؟

كل إنسان منا يحتاج لمن يستشعر به ويحميه؛ وربما كل ما يحتاجه الشخص من يمنع انهيار جداره الذي يستره ويغطيه.
لنكن ممن يقيمون الجدران لا ممن يهدمونها؛ ممن يرممون النفوس قبل أن تتصدع، ويتداركون الشموع قبل أن تنطفئ، ويؤمنون بأن وراء كل إنسان كنزا ينتظر من يمنحه فرصة البقاء.

ربما كان أعظم ما سنتركه ليس جدارا من الحجر، وإنما إنسان وقفنا بجواره ليستخرج من أعماقه الجوهر.

Yos123Omar@