الرأي

أعاصير المنطقة بين شياطين الولاية والجماعة


يبتعدان عن بعضهما في المنهجية. الأول يكفر الثاني ويخرجه عن الدين، والثاني يرى الأول منبعا للإرهاب، ونبراسا للرجعية، لكن الأرضية السياسية للطرفين تتماهى بالحذافير.

إن أردنا البحث في معضلات المنطقة على الأقل منذ نهاية السبعينات، سنجد أنها بدأت من وصول ولاية الفقيه ممثلة بروح الله الخميني، لحكم إيران بعد إزاحة الشاه، الذي كان يلبس الدولة عباءة ليبرالية أو علمانية.

جاء الخميني من منفاه في فرنسا، بحماية المخابرات الفرنسية لإيران. سريعا غير رداء الدولة إلى ديني؛ باعتبار أن الدين هو الوسيلة الأسهل لدغدغة مشاعر وعواطف الجموع، التي يمكن أن تشكل حاضنة شعبية، بتطبيق نظرية قيادة العقل الجمعي.

جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية أحد أسباب أزمات المنطقة أيضا. أسسها حسن البنا على الخروج عن الإطار الوطني، مهما حاول بعض المؤرخين تبييض صفحته وتصويره كحمل وديع.

صحيح أن ولاية الفقيه، نشأت بعد جماعة الإخوان، وهناك فروقات في التأسيس، كيف؟ الأولى اعتمدت على غطاء دولي. الثانية استندت على الدعم الشعبي. بمعنى أن الخميني كان واضحا في فكرة احتضان الإيرانيين، تحت إطار شعار حماية العهد، حتى خروج المهدي المنتظر، وذا كان بغطاء استخباراتي دولي، على الأقل من فرنسا وأمريكا.

البنا وجماعته انتهجا العمل السري ضد الأنظمة ابتداء من مصر. مع مرور الوقت، تشابه الطرفان بالاعتماد على المعدمين والسذج والتافهين، وأرباب الشعارات في العالم العربي.

دعك من تاريخ الجانبين، فلنتحدث عن الحاضر. ولاية الفقيه التي كان يمثلها قاسم سليماني المجرم دوليا، وحاضرا الحرس الثوري، تعتمد على عنوان تصدير الثورة. وهذا النوع من الفكر يستدعي التخريب والتطرف والإرهاب.
وجماعة الإخوان نشطت في تجييش الشعوب. كانت تمثل حركة دعوية دينية، تضع السياسة وبلوغ السلطة جانبا، لكن مع السنين، اتضحت أطماعها السياسية، من ناحية رغبتها المبطنة بحكم الجمهوريات الهشة.

هنا توافق في التوجهات بين هذه وتلك، كيف؟ مخرجات الخميني أنتجت أذرعا تخريبية واعتمدت عليها لتنفيذ استراتيجية شهوتها للدم. مثل الميليشيات في العراق بما تضم من طفيليات، وحزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن.
جماعة الإخوان كذلك حتى إن تبرأت، أخرجت تنظيم القاعدة، وداعش، وبوكو حرام، وأبو سياف، وحركة حماس في قطاع غزة التي ارتمت بحضن إيران خلال السنوات الفائتة.

على ذكر حركة حماس في غزة، هي جماعة سنية، متطرفوها، يكفرون الإثني عشرية الشيعة، الذين يشكلون الجزء الأكبر من الطبقة الحاكمة في إيران. السؤال: من أين خرجت الحركة؛ ومن تمثل؟ الجواب: من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وتمثل أيديولوجية حسن البنا وسيد قطب. السؤال الآخر: كيف يكفر هذا ذاك، ويتوافقان في أجزاء واضحة من السياسة؟ لأن الجميع وظف وخادع الجميع.

أذكر أن خليل الحية زعيم الحركة الجديد المعروف بعلاقته الوطيدة بصناع القرار بطهران، بجل إيران بأول خطاب بعد انتخابه رئيسا للحركة. شكر العراق، ولبنان؛ واليمن، التي قصف حوثيها مكة المكرمة بصواريخ باليستية إيرانية ثلاث مرات.

وقتذاك التزمت حركته الصمت، مقابل إدانتها هجوما أحبطته قوات الأمن السعودي نهاية شهر رمضان من عام 2017. ماذا يعني ذلك؟ أنها أيدت الهجوم الحوثي المدعوم إيرانيا على مكة، قولا واحدا، لا تفسير غير ذلك برأيي. وهذا نتيجة أنها خسرت المحيط العربي بالجحود والنكران، ولم يتبق لها إلا طهران تستند عليها بدعم مزعوم.

المهم هذه ليست قضيتي، لكن تشريح الحالة الحمساوية استدعى كشفها. أعود لقصتي، فالعلاقة كما يبدو لي بين إيران والإخوان المسلمين ليست علاقة تحالف دائم ولا عداء دائم، بل إنها تقوم على تقاطع مصالح بين مشروعين مختلفين في الشكل والمنهج، الأول: مشروع شيعي تقوده إيران. الثاني: سني تقوده جماعة الإخوان.

طهران ترى الجماعة تكتلا سنيا عريضا يمكن التعامل معه سياسيا، لكنه لا يرقى لأن يكون خصما، لأن تعظيمها خطأ استراتيجي يفتح أبواب ندية التعامل بين دولة وجماعة.

بينما وجدت الجماعة من ولاية الفقيه نموذجا إسلاميا يمكن تطبيقه، وأن يكون المرشد هو رأس الدولة.

لذلك حدث تقارب بين مصر وإيران، خلال حقبة الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي زار طهران في 2012، بينما جاء الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للقاهرة، ورفع علامة النصر، خلال دخوله مشيخة الأزهر. وتلك الإشارة لها معان تاريخية، ما إذا فهمنا أن الدولة الفاطمية كانت جزءا من التاريخ المصري.
إن البحث في الملفات الأساسية للطرفين، سينجم عنه اكتشاف ما لم يكن تطابقا في الرؤى والمنهجية، فسيكون تقاربا واضحا، ليس بحاجة إلى اجتهادات أو أدلة.

لقد استغلت ولاية الفقيه وجماعة الإخوان بساطة الشعوب وعواطفها، لتمرير رسائل سياسية لم تخدمهم في الأصل، لا بل وضعتهم في آخر قوائم الاهتمامات.

رفعتا شعار معاداة إسرائيل، واستفادتا من إسرائيل، رددتا الموت لأمريكا، وخدمتهما أمريكا.

ضحكتا على الأمة برفع لواء الدين، وخالفتا قيم الدين، كذبتا بتحرير القدس، ولا تحررت، ولا سلمت منهما.

النتيجة: عاشت المنطقة على أعاصير شياطين الولاية.. والجماعة.