إعادة صناعة الأدوية إلى أمريكا... ولكن بأي ثمن؟
الخميس، ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦عزيزي القارئ، في 21 يوليو أعلن الرئيس الأمريكي أن الأدوية الجنيسة الداخلة إلى الولايات المتحدة ستعفى من الرسوم الجمركية لمدة عامين ابتداء من الأول من أغسطس، ثم تفرض عليها رسوم بنسبة 100% في أغسطس 2028، ترتفع إلى 200% في العام التالي. والهدف المعلن هو دفع الشركات إلى تصنيع هذه الأدوية داخل أمريكا، مع فرض ما وصفه الرئيس بعقوبة على من يرفض البناء هناك.
جاء الإعلان في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يوضح هل تشمل الرسوم الدواء النهائي أم المادة الفعالة أم كليهما. وقد فرض قرار صدر في 2 أبريل، بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، رسوما بنسبة 100% على الأدوية المحمية ببراءات اختراع وموادها الفعالة، بدءا من 31 يوليو للشركات الكبرى و29 سبتمبر للشركات الأصغر، مع نسبة مخفضة قدرها 15% للاتحاد الأوروبي، واليابان، وكوريا وسويسرا. وقد استثنى القرار الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية مؤقتا، إلا أن الإعلان الجديد وضع نهاية لهذا الاستثناء.
المشكلة أن الدواء الجنيس ليس مجرد دواء أصلي بسعر أقل. إنه نموذج تجاري مختلف تماما. نحو تسع من كل عشر وصفات تصرف في الولايات المتحدة هي أدوية جنيسة، لكنها تمثل جزءا صغيرا من إجمالي الإنفاق الدوائي. وهذا إنجاز كبير للمرضى، لكنه أيضا مصدر هشاشة. فقد خفضت المنافسة سعر بعض الأقراص إلى سنتات قليلة، وتباع كثير من الحقن المستخدمة في المستشفيات بدولارين أو أقل للعبوة.
عند هذا الهامش الضيق، لا توجد مساحة لامتصاص الرسوم. فرض رسم بنسبة 100% على دواء أصلي سعره ألف دولار شهريا قد يفتح بابا للتفاوض. أما فرض النسبة نفسها على حقنة علاج سرطاني سعرها دولاران، فقد يدفع الشركة ببساطة إلى وقف المنتج والخروج من السوق.
وهذا ليس خطرا نظريا. فقد سجلت الولايات المتحدة 227 دواء في حالة نقص شديد خلال الربع الثاني من هذا العام، في ثالث زيادة فصلية متتالية. وتمثل الحقن المعقمة، والمضادات الحيوية القديمة، وأدوية التخدير والسرطان نحو 70% من حالات النقص الحالية، بينما بدأ ربع هذه الحالات في عام 2021 أو قبله. وعندما حدث نقص في السيسبلاتين والكاربوبلاتين، اضطر أطباء الأورام إلى تقنين علاجات أساسية لأشهر بسبب تعثر مصنع واحد خارج الولايات المتحدة بعد فشله في اجتياز التفتيش.
حتى المهلة الزمنية تبدو أطول مما هي عليه. فبناء مصنع ونقل طريقة التصنيع وتأهيل الأجهزة واجتياز التفتيش واعتماد مصادر المواد الخام تحتاج عادة من ثلاث إلى خمس سنوات. كما أن الاعتماد لا يتوقف عند المرحلة النهائية؛ فالصين والهند تضمان قرابة 40% من مواقع تصنيع المواد الفعالة المسجلة لدى الهيئة الأمريكية، ونحو 80% من حجم الإنتاج، بينما تعتمد الشركات الهندية على الصين في حوالي 70% من المواد الوسيطة. لذلك قد يعطي نقل التعبئة وحدها شكلا للأمن الدوائي من دون تحقيق مضمونه.
ومن الإنصاف القول إن المشكلة الأصلية حقيقية. الاعتماد على منافس استراتيجي لتوفير المضادات الحيوية اللازمة وقت الأزمات يمثل مخاطرة، وقد كشفت الجائحة ذلك بوضوح. لكن ما أضعف صناعة الأدوية الجنيسة لم يكن التجارة وحدها، بل نظام شراء يكافئ أقل سعر ويتجاهل استدامة المورد وجودة سلسلة الإمداد. والرسوم الجمركية لا تصلح هذا الخلل.
أما بالنسبة لنا في السعودية والخليج العربي، فالأثر قد يصل، حتى لو لم نبع دواء واحدا في السوق الأمريكية. نحن نعتمد على الموردين أنفسهم في الصين والهند. وإذا تحولت طاقاتهم إلى السوق الأمريكية بشروط جديدة، أو انسحبوا من المنتجات ضعيفة الربحية، فسنواجه سوقا أقل عرضا وأعلى سعرا وأكثر تركزا، وسنظل فيه مشترين لا نحدد السعر.
كذلك، يعاد تشكيل سلسلة توريد الأدوية الجنيسة للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود. والدول التي تجمع بين القدرة التصنيعية والمصداقية التنظيمية ستكون جزءا من هذا الترتيب الجديد. لقد دافعنا عن توطين الدواء باعتباره مصدرا للوظائف والقيمة المضافة وتقليل الواردات، لكن الحجة الأقوى كانت دائما أمن الإمداد.
لوقت طويل كان سعر الدواء الجنيس تحدده المنافسة. اليوم بدأت السياسة التجارية تشارك في تحديده. وهذا ليس تغيرا بسيطا في النسبة، بل تغير في طبيعة السوق نفسها. والأدوية الأكثر أهمية للمرضى غالبا هي الأقل ربحا، لذلك يجب أن تبدأ أي سياسة تستهدفها بالاعتراف بهذه الحقيقة، لا بمعاقبة المنتج الذي يعمل أصلا على هامش يكاد لا يرى.
nabilalhakamy@