الحكومات تصنع السياسات.. الشركات تصنع الأشياء
الخميس، ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦هناك اختلاف واضح بين إدارة العموم وإدارة الأعمال، ومن المهم إدراكه عند الحديث عن جهود الإصلاح المؤسسي للقطاع العام. فهناك توجه عالمي نحو تطوير إدارة القطاع العام والاستفادة من ممارسات القطاع الخاص، بهدف جعل القطاع العام أكثر كفاءة ورشاقة ومرونة. غير أن تحقيق ذلك لا يعني تجاهل الاختلافات الجوهرية بين القطاعين، إذ تختلف طبيعة القرارات ودوافعها وأهدافها والفئات المستهدفة، وكذلك آليات قياس الأداء وطبيعة الخدمات المقدمة في كل منهما.
فالقطاع العام مطالب بخدمة العموم، أي جميع السكان أو غالبيتهم، دون استثناء، والعمل وفق اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية وقانونية متعددة ومتشابكة، والموازنة بينها. كما يقدم خدمات يصعب أحيانا قياس أثرها بصورة مباشرة، وقد لا تظهر نتائج بعض القرارات والسياسات إلا بعد سنوات. وفي كثير من الحالات، لا يستطيع الفرد تحديد نصيبه المباشر من المنفعة، لأن كثيرا من الخدمات العامة تقوم بطبيعتها على عمومية المنفعة لا على خصوصية الاستهلاك الفردي المباشر. كما تطبق السياسات العامة بالإلزام والمساواة، رغم اختلاف الأذواق والآراء والتفضيلات بين الأفراد، بخلاف آلية السوق التي تتيح للمستهلكين التعبير عن تفضيلاتهم من خلال الاختيار والشراء، وتدفع الربحية المنتجين إلى الاستجابة لهذه التفضيلات. ومع هذا الاختلاف، ينظر إلى القطاع العام غالبا باعتباره بطيئا وبيروقراطيا ومنغلقا، خصوصا عندما تتم مقارنته بالجانب المشرق في إدارة الأعمال، بما تتميز به من كفاءة ورشاقة وسرعة في الاستجابة.
وهذا أمر لا يمكن إنكاره، وله مبرراته، فالقطاع الخاص يستهدف شرائح صغيرة ومحددة من المجتمع، تربطه بها علاقة واضحة تقوم على تبادل المنفعة، ويعمل وفق أسعار ومؤشرات ربحية وإنتاجية واضحة، ضمن مؤسسات تتمتع بدرجة عالية من المرونة في اتخاذ القرار وتخصيص الموارد وتحمل المخاطر. الدافع والمحرك وراء هذه الإنتاجية تحقيق المصلحة الفردية، وهذا أمر لا بأس به في ذاته، بل هو جزء من منطق عمل السوق. لكن المشكلة عندما تتحول هذه المقارنة إلى افتراض بأن ما ينجح في إدارة الأعمال يمكن نقله إلى القطاع العام كما هو. كيف ذاك والحكومة مختلفة تستهدف خلق قيمة عامة تتجاوز العائد المالي المباشر، وتشمل العدالة، والأمن، والاستقرار، والتنمية، وجودة الحياة، وحماية الحقوق، وتوفير الخدمات الأساسية. ولذلك، فإن معايير النجاح في القطاع العام لا يمكن اختزالها في مؤشرات الكفاءة، والربحية، والإنتاجية، وحدها. كما من الضروري أن نتذكر أن قدرة القطاع الخاص على الإنتاجية مرهونة إلى حد كبير بمستوى الخدمات والمشروعات الحكومية. فدون بنية تحتية كفؤ، كالطرق والمطارات والموانئ والاتصالات، وخدمات الأمن والسلامة، وإدارة اقتصادية مستقرة وفعالة، يصعب على القطاع الخاص أن ينتج وينمو ويؤدي دوره بكفاءة. ومن هنا، فإن السياسات العامة لا تمثل مجرد إطار تنظيمي لنشاط القطاع الخاص، بل تشكل البيئة التي تمكنه من العمل والنمو والاستثمار.
وفي هذا السياق، نعرض لفكرة مهمة قدمها عالم الإدارة العامة الأمريكي بوزمان في كتابه الشهير «جميع المنظمات عامة» All Organizations Are Public. تتمثل فكرته الأساسية حول العمومية في أن المنظمة لا تكون عامة أو خاصة بصورة مطلقة، بل تختلف في درجة تأثرها بالسلطة العامة والتشريعات والتمويل والرقابة العامة. وبهذا المعنى، يصبح مفهوم «العام» أوسع من مفهوم «الحكومي»، إذ يمكن النظر إلى جميع المنظمات، الحكومية والخاصة، باعتبارها تعمل بدرجات متفاوتة ضمن المجال العام. فالجامعة الخاصة، والمستشفى الخاص، والبنك، وشركة التقنية، وشركة الطاقة، جميعها تخضع بدرجات متفاوتة للقوانين والتنظيمات والقرارات العامة، كما أن نشاطها وآثارها تمتد إلى المجتمع.
وتزداد هذه الحقيقة وضوحا مع الانتقال من نموذج الحكومة (Government) إلى نموذج الحوكمة (Governance)، حيث لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في تحقيق الأهداف العامة، بل أصبحت الشركات والجامعات والمنظمات غير الربحية والمجتمع المدني شركاء في إنتاج القيمة العامة، في إطار تقوده الدولة وتؤطره السلطة العامة. وتبعا، أصبحت وظيفة الإدارة العامة تتعدى إدارة الأجهزة الحكومية، وإنما أيضا إدارة العلاقات والقرارات والتفاعلات التي تشكل القيمة العامة عبر مختلف القطاعات. وهذا بدوره يغير طبيعة عمل الحكومة، فالحكومة لا ينبغي أن تفعل كل شيء، وإنما أن تقرر متى تفعل، ومتى تنظم، ومتى تمكن، ومتى تتعاقد، ومتى تفوض، ومتى تترك السوق يعمل دون تدخل. وهذا هو جوهر الحوكمة الحديثة.
إن إدراك هذا الاختلاف بين القطاعين لا يعني عدم الاستفادة من خبرات القطاع الخاص، بل يعني استخدامها بوعي، وفي السياق المناسب، دون أن تفقد الأجهزة الحكومية وظيفتها الأساسية في تحقيق القيمة العامة، ليكون دور الحكومة التوجيه، والقطاع الخاص التجديف. فالشركات تصنع الأشياء، أما الحكومات فتصنع القرارات التي تهيئ البيئة الممكنة لصناعة الأشياء.