الرأي

دعوة مفتوحة للجامعات: أعيدوا هندسة البرامج التعليمية لتواكب متطلبات اقتصاد الغد


في ظل التحولات العالمية المتسارعة، يجب على قادة الجامعات إدراك أن الاستدامة لم تعد مجرد قضية بيئية عابرة تدرج في الخطط الاستراتيجية، بل أصبحت محركا رئيسيا يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسوق العمل، ويفرض على مؤسسات التعليم العالي مسؤولية تاريخية. فتسارع تغير المناخ وتناقص الموارد الطبيعية، يحتمان على الجامعات إعادة هيكلة برامجها وأولوياتها البحثية لمواكبة متطلبات التنمية المستدامة كضرورة اقتصادية وتنموية ملحة تستوجب إعادة هندسة حقيقية للبرامج التعليمية.

فعلى مدى عقود طويلة، عكست الجامعات النموذج الاقتصادي السائد القائم على «استخراج، تصنيع، استهلاك، ثم تخلص»، وأعدت أجيالا من المهندسين والعلماء والاقتصاديين وفق احتياجات سوق عمل كانت وفرة الموارد فيه أمرا مسلما به. وكانت الإنتاجية تقاس بحجم المخرجات، لا بكفاءة استخدام الموارد أو الأثر البيئي. غير أن هذا النموذج بات يواجه اليوم تحديات متزايدة، جعلت التحول نحو الاقتصاد الدائري والاستدامة ضرورة لا غنى عنها.

ويؤكد سوق العمل نفسه حجم هذا التحول. إذ تقدر منظمة العمل الدولية أن الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة المباني والنقل المستدام يمكن أن يضيف نحو 20.5 مليون وظيفة جديدة عالميا بحلول عام 2030 (منظمة العمل الدولية: 2021: 1-2). كما تذهب تقديرات مشتركة بين المنظمة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والاتحاد الدولي لحماية الطبيعة إلى إمكانية استحداث عشرات الملايين من الوظائف الإضافية المرتبطة بالحلول البيئية خلال العقد الحالي. وهذه المؤشرات ليست تنظيرا، بل تؤكد اتجاها عالميا يتطلب مزيدا من الكوادر التي تمتلك مهارات في الاستدامة والطاقة النظيفة وإدارة الموارد والاقتصاد الدائري، وهي مهارات ما زالت مفقودة في كثير من المناهج الجامعية التقليدية.

وهذا الواقع لم يعد حكرا على التوقعات المستقبلية، بل تجسد في جامعات عالمية كبرى سباقة إلى استشراف المستقبل. ففي عام 2025، أطلقت جامعة بيردو الأمريكية مدرسة متخصصة لهندسة الاستدامة والهندسة البيئية (Purdue University: 2025: 1-3)، استجابة للطلب الصناعي المتنامي على الكفاءات القادرة على معالجة التحديات البيئية. وتقدم المدرسة برامج للبكالوريوس والدراسات العليا تجمع بين الهندسة والاستدامة والاقتصاد الدائري وإدارة دورة حياة المنتجات (Purdue University: 2025: 3-4)، في خطوة تعكس تحولا جذريا في فلسفة التعليم الهندسي، وتعد نموذجا يحتذى به للجامعات التي تسعى إلى مواكبة العصر.

اتخذت هذه الظاهرة منحى عالميا متسارعا، إذ عززت جامعات عديدة في أوروبا وأستراليا وأمريكا الشمالية دمج الاستدامة ضمن برامج الهندسة والكيمياء والاقتصاد وإدارة الأعمال، بدلا من حصرها في تخصصات معزولة. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن قضايا الطاقة والموارد والانبعاثات أصبحت جزءا أساسيا من الممارسة المهنية اليومية في مختلف الصناعات، مما يفرض على الجامعات تحديث برامجها لتكون جسرا بين النظرية والتطبيق في هذا المجال الحيوي.

وتؤكد مؤشرات التصنيف العالمية هذا الحراك الأكاديمي؛ فقد ضم تصنيف QS للاستدامة لعام 2026 نحو ألفي جامعة من 108 دول (QS: 2026: 1-2)، مما يعكس تزايد اهتمام المؤسسات الأكاديمية بقياس أثرها البيئي والاجتماعي، وإدماج مبادئ الاستدامة في برامج التعليم والبحث والشراكة المجتمعية. ومن المبشرات أن بعض الجامعات العربية، خاصة في منطقة الخليج، ظهرت في هذا التصنيف، مما ينبئ بوعي متنام بأهمية التحول نحو نماذج تعليمية أكثر ارتباطا بالتنمية المستدامة، وإن كانت الخطى لا تزال بحاجة إلى تسارع أكبر.

كما يتجلى هذا التحول في الأنشطة البحثية؛ إذ أظهرت دراسة مرجعية موسعة أن عدد مؤسسات التعليم العالي والمراكز البحثية المنخرطة في أبحاث التنمية المستدامة ارتفع من نحو 660 مؤسسة خلال الفترة 2000-2005 إلى أكثر من 1740 مؤسسة خلال الفترة 2012-2017 (International Journal of Sustainability in Higher Education: 2020: 21(7): 10-11). هذا الانتقال من مجال بحثي متخصص إلى محور رئيسي في اهتمام الجامعات العالمية يؤكد أن الاستدامة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت بوصلة للتميز العلمي والمعرفي.

إن التحول المطلوب لا يعني استبدال التخصصات التقليدية، بل إعادة توجيهها؛ فبرامج الكيمياء يمكنها أن تركز على تدريس وابتكار مواد قابلة للتدوير، والهندسة تستحدث مقررات حول كفاءة الطاقة، والاقتصاد يصوغ نماذج نمو تراعي ندرة الموارد والاقتصاد الأخضر. ولتسريع التحول يمكن للجامعات أن تعيد هيكلة برامج الدراسات العليا في مجالات بينية نوعية، ككيمياء الاستدامة، والاقتصاد الدائري، والهندسة المستدامة، والتقنيات منخفضة الكربون، والذكاء الاصطناعي البيئي، وإدارة الموارد. 

خلاصة القول، إن مستقبل الجامعات لم يعد يقاس بعدد خريجيها فقط، بل بقدرتها على استشراف سوق العمل الذي يفرضه اقتصاد الغد، وتحديث برامجها لتأهيل كوادر تقود التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة. وتوجيه البحث العلمي نحو تقنيات الغد ليس رفاهية فكرية، بل استثمار مباشر في المستقبل الاقتصادي والاجتماعي. فالجامعات التي أسهمت في بناء اقتصاد الأمس، تملك اليوم فرصة ذهبية لقيادة اقتصاد الغد، شريطة أن تستجيب لهذه الدعوة المفتوحة، وتتحرك بالسرعة التي تفرضها التحولات العالمية المتسارعة، وأن تعيد هندسة برامجها التعليمية بجرأة وإبصار، لتكون معاقل للابتكار ومنارات للاستدامة.