الرأي

حين لا تسعفنا الكلمات



نسير في رحلة الحياة محملين بالأمل، نتطلع إلى لقاء من تتناغم أرواحهم مع أرواحنا، ويفهمون اللغة الصامتة التي تتحدث بها قلوبنا، ويشاركوننا نظرتنا إلى العالم ومن فيه. وفي هذه الرحلة، نلتقي بأشخاص يمنحون الطريق معناه، ونعبر آخرين يتركون في نفوسنا شيئا من التعب. ومع كل تجربة، نتخفف قليلا من أثقالنا، ونتعلم كيف نحافظ على نقاء أرواحنا من دون أن نسمح لقسوة الآخرين بأن تغيرنا.

لكننا، في بعض المحطات، نتعرض لمواقف مباغتة تربكنا. قد يهاجمنا أحدهم بكلمات قاسية أو اتهامات لم نتوقعها، فنعجز في اللحظة نفسها عن الدفاع عن أنفسنا. تتزاحم المشاعر داخلنا، ويغيب عنا الرد المناسب، فنصمت؛ لا لأننا ضعفاء، ولا لأن ما قيل في حقنا صحيح، بل لأن أرواحنا لم تكن مستعدة لخوض معركة لم تخترها.

وحين ينتهي الموقف، تعود إلينا الكلمات متأخرة. نتذكر ما كان ينبغي أن نقوله، ونستعيد المشهد مرات عديدة، متسائلين: لماذا لم ندافع عن أنفسنا؟ ولماذا سمحنا للطرف الآخر بأن يغادر وهو يظن أنه انتصر؟

غير أن الصمت تحت وطأة المفاجأة لا يعني الهزيمة؛ فليس كل من امتلك سرعة الرد صاحب حق، وليس كل من عجز عن الكلام ضعيف الحجة. بعض الناس تمرنوا طويلا على الهجوم، وأتقنوا استخدام الكلمات لإرباك من أمامهم، بينما لم تتعلم القلوب المسالمة كيف تدخل المعارك فجأة، ولا كيف تستخدم القسوة سلاحا.

قد يبدو المهاجم في تلك اللحظة أكثر قوة، وقد يصدق أنه استرد حقا أو انتصر في مواجهة، لكن انتصاره يظل ناقصا إذا بني على الظلم أو استغلال ارتباك الآخر. فالقيمة الحقيقية لأي موقف لا تحددها سرعة اللسان، بل يحددها مقدار العدل الذي يحمله والصدق الذي يقوم عليه.

لا تقس على نفسك لأنك لم تجد الكلمات المناسبة في الوقت المناسب. امنح قلبك شيئا من الرحمة، وتذكر أنك إنسان يتعلم من تجاربه وينضج بها. نحن لا نولد مستعدين لكل المواقف، ولا نمتلك منذ البداية الحكمة الكافية لمواجهة كل من يحاول إيذاءنا؛ إنما تصنعنا الأيام بهدوء، وتمنحنا كل تجربة جزءا جديدا من الوعي والقوة.

وثق بأن حقك لا يضيع لمجرد أنك لم تدافع عنه في لحظة ارتباك. قد تتأخر الحقيقة، لكنها لا تفقد قيمتها، وقد يبتعد الظالم منتشيا بانتصار عابر، لكن العدل الإلهي أوسع من لحظة وأبقى من وهم. فما بني على الظلم لا يصبح حقا مهما بدا قويا، وما عجزت عن قوله لا يغير حقيقة ما جرى.

سيأتي يوم تصبح فيه أكثر وعيا بما ينبغي أن تقوله، وأكثر قدرة على حماية حدودك من دون أن تفقد رقتك. ستتعلم أن يكون ردك واضحا وحازما، لا جارحا، وأن تدافع عن نفسك من دون أن تتحول إلى نسخة ممن آذوك.

فلا تجعل تأخر ردك سببا للشك في قوتك، ولا تسمح لموقف عابر بأن يهز صورتك في عينيك. أنت لا تقاس بسرعة إجابتك، بل بصدق موقفك، ونقاء ضميرك، وقدرتك على النهوض بعد كل تجربة.

قد تتأخر الكلمات أحيانا، لكن الحقيقة لا تتخلى عن مكانها، والعدل، وإن طال انتظاره، لا ينسى الطريق.