المسافة التي يصنعها سوء الظن
الثلاثاء، ١٨ أغسطس ٢٠٢٦
ليست كل المسافات بين الناس تقاس بالخطوات. فهناك شخص يجلس إلى جوارك، لكنك تشعر أنه في مكان بعيد لا تصل إليه، وهناك آخر تفصلك عنه مسافة طويلة، ومع ذلك يبدو قريبا كأنه يشاركك تفاصيل يومك. المسافة الحقيقية تبدأ غالبا حين يتوقف الإنسان عن رؤية ما حدث، ويبدأ في رؤية ما يظن أنه حدث.
يتأخر صديق في الرد، فنفسر صمته على أنه تجاهل. يمر قريب دون أن يسلم، فنعتقد أنه تعمد إهمالنا. تتغير نبرة شخص عزيز، فنبحث خلفها عن غضب خفي أو رغبة في الابتعاد. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء ذلك كله سوى انشغال، أو تعب، أو خاطر ثقيل لا علاقة لنا به. لكن سوء الظن لا ينتظر الحقيقة؛ إنه يملأ الفراغ سريعا بحكاية من صنعه، ثم يقنعنا بأن تلك الحكاية هي الواقع.
المشكلة أن الظن لا يبقى فكرة عابرة داخلنا، بل يتحول بالتدريج إلى طريقة في التعامل. نصبح أقل عفوية، ونرد ببرود، ونختصر الحديث، وربما نتجنب اللقاء. يلاحظ الطرف الآخر تغيرنا دون أن يعرف سببه، فيبادلنا التحفظ نفسه. وهكذا تنشأ مسافة لم يصنعها موقف حقيقي، بل تفسير خاطئ لموقف صغير.
وقد تبدأ قطيعة طويلة من كلمة لم تفهم، أو رسالة قرئت في توقيت سيئ، أو نظرة حملناها أكثر مما تحتمل. وبعد مرور الوقت، ينسى الطرفان الحادثة الأولى، لكنهما يعيشان آثارها؛ كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يقترب، وكل واحد يظن أن ابتعاد الآخر دليل على صحة ظنه القديم.
ليس سوء الظن دائما نتيجة قسوة أو رغبة في اتهام الناس. أحيانا يكون نتيجة لتجربة مؤلمة، أو خوف قديم من الخذلان، أو حساسية صنعتها مواقف سابقة. فالذي تعرض للإهمال كثيرا قد يرى التأخر تجاهلا، والذي خدع من قبل قد يبحث عن الخديعة في أبسط التصرفات. لكنه حين يسقط جراح الأمس على وجوه اليوم، قد يعاقب أناسا لم يؤذوه قط.
ولعل أكثر ما يحمي العلاقات ليس أن نفهم كل شيء على نحو صحيح منذ البداية، فهذا يكاد يكون مستحيلا، بل أن نترك في داخلنا مساحة لاحتمال آخر. احتمال أن يكون للصمت سبب غير الجفاء، وللتأخر عذر لا نعرفه، وللكلمة معنى لم نحسن التقاطه.
إن سؤالا صادقا قد يهدم جدارا كاملا من التخمين، وحديثا هادئا قد يعيد سنوات من القرب. فالعلاقات لا تضعف فقط بما يفعله الآخرون، بل أحيانا بما نتخيله عنهم. وحين نحسن الظن، فإننا لا نبرئ الناس من كل خطأ، وإنما نمنح الحقيقة فرصة لأن تصل قبل أن نصدر حكمنا؛ وبذلك نحفظ للود طريقا، وللإنسان مكانة في القلب.
يتأخر صديق في الرد، فنفسر صمته على أنه تجاهل. يمر قريب دون أن يسلم، فنعتقد أنه تعمد إهمالنا. تتغير نبرة شخص عزيز، فنبحث خلفها عن غضب خفي أو رغبة في الابتعاد. وفي أحيان كثيرة لا يكون وراء ذلك كله سوى انشغال، أو تعب، أو خاطر ثقيل لا علاقة لنا به. لكن سوء الظن لا ينتظر الحقيقة؛ إنه يملأ الفراغ سريعا بحكاية من صنعه، ثم يقنعنا بأن تلك الحكاية هي الواقع.
المشكلة أن الظن لا يبقى فكرة عابرة داخلنا، بل يتحول بالتدريج إلى طريقة في التعامل. نصبح أقل عفوية، ونرد ببرود، ونختصر الحديث، وربما نتجنب اللقاء. يلاحظ الطرف الآخر تغيرنا دون أن يعرف سببه، فيبادلنا التحفظ نفسه. وهكذا تنشأ مسافة لم يصنعها موقف حقيقي، بل تفسير خاطئ لموقف صغير.
وقد تبدأ قطيعة طويلة من كلمة لم تفهم، أو رسالة قرئت في توقيت سيئ، أو نظرة حملناها أكثر مما تحتمل. وبعد مرور الوقت، ينسى الطرفان الحادثة الأولى، لكنهما يعيشان آثارها؛ كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يقترب، وكل واحد يظن أن ابتعاد الآخر دليل على صحة ظنه القديم.
ليس سوء الظن دائما نتيجة قسوة أو رغبة في اتهام الناس. أحيانا يكون نتيجة لتجربة مؤلمة، أو خوف قديم من الخذلان، أو حساسية صنعتها مواقف سابقة. فالذي تعرض للإهمال كثيرا قد يرى التأخر تجاهلا، والذي خدع من قبل قد يبحث عن الخديعة في أبسط التصرفات. لكنه حين يسقط جراح الأمس على وجوه اليوم، قد يعاقب أناسا لم يؤذوه قط.
ولعل أكثر ما يحمي العلاقات ليس أن نفهم كل شيء على نحو صحيح منذ البداية، فهذا يكاد يكون مستحيلا، بل أن نترك في داخلنا مساحة لاحتمال آخر. احتمال أن يكون للصمت سبب غير الجفاء، وللتأخر عذر لا نعرفه، وللكلمة معنى لم نحسن التقاطه.
إن سؤالا صادقا قد يهدم جدارا كاملا من التخمين، وحديثا هادئا قد يعيد سنوات من القرب. فالعلاقات لا تضعف فقط بما يفعله الآخرون، بل أحيانا بما نتخيله عنهم. وحين نحسن الظن، فإننا لا نبرئ الناس من كل خطأ، وإنما نمنح الحقيقة فرصة لأن تصل قبل أن نصدر حكمنا؛ وبذلك نحفظ للود طريقا، وللإنسان مكانة في القلب.