الرأي

أسطورة حاكم لا ينام



بين زمن وآخر يولد حاكم لا يشبه سواه؛ حاكم يسهد لأن الوطن ينام في عينيه، ولا يستريح إلا وسط حراسة أفئدة شعبه.

هو الغائب الحاضر، يقف على حافة الزمن، يقرأ الماضي كأنه كتابه الأول، ويستشرف المستقبل كأنه ابنه الذي لم يولد بعد.

حاكم يعيش بين صفحتين: صفحة حاضرة، وصفحة لم تكتب بعد، مدركا أن خطأ صغيرا في الأولى قد يحرق الأوراق القادمة، وقد يفتح بابا لا يغلق بسهولة.

مستشرف يقف شامخا بين العواصف كما سلسلة جبال تحرس نبض وطنه بحرص شغاف القلب، ويبقي عينيه مفتوحتين كي لا تتسلل إلى بلاده عتمة من ظلام بعيد.

في الحكايات القديمة، كان البطل يباري الكثبان والوديان ليحمي قبيلته.

أما في عصرنا، فالحاكم يواجه بحور السياسة، ووديان الاقتصاد، وصحاري الإعلام، وغابات التقنية، ليحمي وطنه من أخطار لا ترى، وخصوم لا يَصدقون، يستشرف أزمات تثور في أماكن بعيدة وسط عواصف لا تمهل.

حاكم يتخطى العوائق كما يتخطى الضوء الظلمة.

لا توقفه أشواك أزمة، ولا تربكه حبكة مؤامرة، ولا تغريه وعود سلطة، ولا تعميه بهرجة النفوذ.

يمشي في طريق لا يعبد إلا بالعرق، ولا يضاء إلا بالبصيرة، ولا يحرس إلا باليقظة.

كل يوم يعيشه معركة صامتة، وكل قرار نيشان سهم يرنو لمستقبل أكثر أمانا، وكل خطوة يتبناها جسر محبة يشيده فوق هاوية كان يمكن أن تبتلع وطنا بأكمله.

ليس القلق الذي يسكنه خوفا على كرسي، بل خوفا على وطن.

قلق يجعل حسه جهاز إنذار يلتقط ما لا يراه غيره؛ ويقظة مقدسة تجعله يعيش بين شعبه ظلالا من نور، لا يغيب ولا يبتعد.

اختيار مستشاريه عدل لا تواكل؛ واختيار وزيره مشروع بناء درع يحمي الدولة من الانكشاف.

ففي وعيه أن كل ثغرة صغيرة قد تصبح بابا كبيرا للضعف، وأن كل غفلة قصيرة قد تتحول إلى قصة طويلة من تراكم الخسائر، وتكليف الوطن سنوات من الإصلاح.

هذه الأسطورة ليست خيالا يروى، بل أنموذجا تبحث عنه الشعوب.

فالحاكم الذي لا ينام يعلم غيره أن الحكم ليس امتيازا، بل عبء ومسؤولية عظيمة، ورسالة تكتب بحبر الأمل والقدرة.

يعلمهم أن الوطن ليس أرضا تحكم، بل قيمة تصان، وأن الشعب ليس أرقاما تدار، بل قلوب تحمى.

إنه الحاكم الذي يحارب الفساد، ويجعل العابثين يخجلون من ترفهم، ويستيقظون من غفلتهم، ويعيدون النظر في معنى السلطة ومسؤولية القيادة وقيمة أن تكون مسؤولا عن ملايين الأرواح، وعن مستقبل لا يحتمل التجارب الرعناء.

أسطورة لا تقاس بعدد السنوات التي جلس فيها على العرش، بل بعدد المنابر التي جعل فيها وطنه يقف شامخا دون خوف، وشعبه مطمئنين دون قلق، في مستقبل يتقدم بثقة لا ترتجف.

الحاكم الذي لا ينام يترك وراءه نهضة دولة تستطيع أن تنام داخل حدودها مطمئنة.

يترك قوانين تحمي، ومؤسسات تبني، ورؤية تمشي متوازنة معتمدة على صلابتها.

حاكم يترك أثرا لا يمحى، ويسطر ملحمة لا تنسى، واسما يظل حيا في ذاكرة الأوطان.

إنه أسطورة لا تكتب بالحبر، بل بتناغم قلوب وعقول شعب يحبه، وعطاء يميزه، وشهادة تاريخ مصداقية مشهود لها.