في رحاب صلة الرحم: أن تعلم أنك لست وحيدا في هذه الحياة
الأحد، ١٦ أغسطس ٢٠٢٦
تعد الوحدة والعزلة وشعارات الاستغناء التام من أبرز ما يروج له في عالمنا المعاصر، تحت مظلة مقولات براقة مثل «الاعتزال»، سواء كان ذلك عن أشخاص تربطك بهم قرابة وصلة رحم، أو أصدقاء مواقف أو غيرهم، وقد تبدو هذه الفكرة جذابة ومغرية عندما لا يملك المرء خبرات وتجارب كافية في الحياة، خاصة خلال مرحلة المراهقة ومستهل العشرينات قبل تكوين القشرة الأمامية للدماغ بعمر 24 عاما؛ حيث يندفع الفرد ويتشبث بتحقيق الاستقلالية والتمسك بأفكاره دون تنازل، لكن عندما يصل الإنسان إلى سن النضج وتعصف به تجارب الحياة المرة ودروسها يهذب، ويدرك يقينا أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأنه لا غنى له عن الناس ودفء الروابط البشرية والأسرية.
كما يتجلى له حينها أن الحل لا يكمن في الانسحاب وقطيعة الرحم، بل في تعلم الذكاء الاجتماعي، وإتقان فن التواصل والمسافات، والحذر من إثارة المواضيع الجارحة أو "الرقص على آلام الآخرين" لإحراجهم وكسر شوكتهم؛ فالحذر والتوازن يحافظان على استدامة العلاقات؛ فقرب الفراشة الشديد من الضوء يحرقها، وكذلك العلاقات إن لم تدر بذكاء اجتماعي وتوازن في المسافات تفسدها الصدامات وتموت أو تجرح وتصدى.
ولعل من أكثر ما يهذب النفس ويصقل وعيها بالقيم العربية والإسلامية، هي تجربة الغربة في العالم الغربي بعيدا عن الأهل والعائلة؛ بأن تغترب بمفردك وتتعامل مع النفس البشرية لتنكشف لك معادن البشر الحقيقية، فبعد تلك التجربة لن تخدع بمظاهر الأشخاص وكلماتهم. فأنت في تلك البلدان بعيد عن عائلتك تحتاج إلى الأصدقاء من حولك يساعدونك على الاستمرار بصحة عقلية ونفسية جيدة؛ فإن لم تملك عائلة صغيرة تؤنسك من أبناء وشريك حياة، فأنت بالغالب تحتاج إلى أصدقاء تشاركهم اللغة والثقافة نفسيهما يذكرونك بوطنك وبيئتك ومناسباتك الدينية، ويؤنسون وحشتك لكي تستمر بصحة جيدة في رحلتك، وتغدو تلك اللحظات أكثر صعوبة في الاحتفالات الدينية والمناسبات الثقافية، حيث لا تجد في مجتمع الغربة من يحتفل كما تحتفل أو يتناول كما تتناول في تلك الأيام المحددة، فلا بد حينها أن تبني مجتمعا صغيرا يحمل جزءا من هويتك ويساعدك على الاستمرار بأن يذكرك أنك لست وحدك، ربما يرزقك الله عائلة صغيرة وأصدقاء، وهذا نعمة تستوجب الشكر ولكن الاستمرار يكون بصعوبة ومرارة قاسية عندما تكون وحيدا.
إن التأمل في نمط الحياة الغربي والحديث يكشف حجم الثمن الذي تدفعه الفردانية المفرطة والقسوة المجحفة ومصطلحات الكرامة وأخذ المواضيع بشكل شخصي بين أفراد العائلة؛ فالأسرة هناك غالبا ما تنحصر في النواة الضيقة: والدان وعدد محدود جدا من الأبناء، وفي ظل هذه الهشاشة العددية، إذا ما تعثرت العلاقات أو شابتها القطيعة بين الإخوان الأشقاء، يجد الإنسان نفسه في هذه الحياة في عزلة تامة، مخلفا وراءه "نقطة وحشة" قاسية لا سند فيها ولا ظهير سوى نفسه وشريك حياته.
وهنا يسعى الفرد لتكوين عائلته الصغيرة بأسرع وقت ممكن؛ فإن لم يملك إخوة وأخوات يستند إليهم في الحزن والضعف والسعادة والفرح، فلا خيار أمامه سوى شريك الحياة والأطفال، وإن لم يكوّن أسرته الخاصة - فربما هذا نصيبه بالحياة بأن يمضي بلا زوج/ة وأبناء - أو لم ينجح في حفظ علاقاته، قد ينتهي به المطاف في عمر متقدم يقطع وحدته بالتحدث مع كل من يراه في المقاهي والمطاعم والتشبث بهم، نتيجة احتياج بشري فطري لم يلبّ، فالصديق أو الشريك قد يتركك أو يبتعد لعدم وجود رابطة دم تحكم العلاقة بك ولن يتحمل سلبياتك، بينما الإخوة والعائلة - إن أحسنت التعامل معهم وربطتك بهم أواصر القربى كما يحثنا ديننا الإسلامي في المحافظة على صلة الرحم - سيحاولون دوما المحافظة عليك وتجاوز الزلات.
بل إن هذه الأزمة الغربية امتدت لتضع عبئا ثقيلا وغير واقعي على شريك الحياة وحده؛ إذ يتوقع منه أن يلعب الأدوار كافة في وقت واحد، مما يثقل كاهل العلاقة ويؤدي إلى إجهادها وانكسارها وصولا إلى الانفصال؛ لأن الفطرة الإنسانية لم تبن على أن يستمد الفرد احتياجاته العاطفية والاجتماعية كافة من شخص واحد مهما بلغت درجة القرب منه، دون وجود أصدقاء وإخوة يشاركونه أعباء الحياة.
ومن هنا تبرز أهمية المنظومة الاجتماعية والأسرية الممتدة التي تقدمها مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ ولا سيما من خلال روابط الأخوة المتعددة (الإخوان غير الأشقاء) وهي التي قد تنشأ من إخوان لا يشاركونك الأم أو الأب نفسيهما. إن الأخوة الممتدة تمنح الإنسان أفقا أرحب للتواصل والمشاركة؛ فأن تعلم أنه حتى إن لم تنجح علاقتك مع أخيك الشقيق، فإن لديك أخا آخر غير شقيق في هذا الكون لن يتركك وحيدا في مواجهة هذه الحياة الصعبة والمليئة بالشدائد بالمرور وحيدا - بغض النظر عن اختلاف الأم أو الأب - فهذا يبعث على الطمأنينة، بل وإن لم يكتب الله لك الزواج والإنجاب، فقد يكتبه لأخيك غير الشقيق، لترزق بأنس صحبته وأبنائه في حياتك، فلا تمضي عمرك وحيدا بل تكون محاطا بإخوتك الأشقاء وغير الأشقاء.
إن صلة الرحم في معناها العميق ليست مجرد واجب شرعي أو عرف اجتماعي، بل هي صمام أمان نفسي يوزع الأحمال العاطفية ويحمي العلاقات الزوجية والأسرية من الانهيار تحت وطأة التوقعات المفرطة، وحين نعيد ترميم هذه الجسور بالذكاء الاجتماعي والتغاضي عن الزلات، نسد تلك الفجوة القاسية المسماة «نقطة الوحشة»، فنستند إلى أصل ثابت وعزوة لا تميد، مستحضرين النصيحة النبوية الخالدة التي تجعل من صلة الرحم سعة في الرزق، وبركة في العمر، ودفئا لا ينقطع حتى آخر العمر.
كما يتجلى له حينها أن الحل لا يكمن في الانسحاب وقطيعة الرحم، بل في تعلم الذكاء الاجتماعي، وإتقان فن التواصل والمسافات، والحذر من إثارة المواضيع الجارحة أو "الرقص على آلام الآخرين" لإحراجهم وكسر شوكتهم؛ فالحذر والتوازن يحافظان على استدامة العلاقات؛ فقرب الفراشة الشديد من الضوء يحرقها، وكذلك العلاقات إن لم تدر بذكاء اجتماعي وتوازن في المسافات تفسدها الصدامات وتموت أو تجرح وتصدى.
ولعل من أكثر ما يهذب النفس ويصقل وعيها بالقيم العربية والإسلامية، هي تجربة الغربة في العالم الغربي بعيدا عن الأهل والعائلة؛ بأن تغترب بمفردك وتتعامل مع النفس البشرية لتنكشف لك معادن البشر الحقيقية، فبعد تلك التجربة لن تخدع بمظاهر الأشخاص وكلماتهم. فأنت في تلك البلدان بعيد عن عائلتك تحتاج إلى الأصدقاء من حولك يساعدونك على الاستمرار بصحة عقلية ونفسية جيدة؛ فإن لم تملك عائلة صغيرة تؤنسك من أبناء وشريك حياة، فأنت بالغالب تحتاج إلى أصدقاء تشاركهم اللغة والثقافة نفسيهما يذكرونك بوطنك وبيئتك ومناسباتك الدينية، ويؤنسون وحشتك لكي تستمر بصحة جيدة في رحلتك، وتغدو تلك اللحظات أكثر صعوبة في الاحتفالات الدينية والمناسبات الثقافية، حيث لا تجد في مجتمع الغربة من يحتفل كما تحتفل أو يتناول كما تتناول في تلك الأيام المحددة، فلا بد حينها أن تبني مجتمعا صغيرا يحمل جزءا من هويتك ويساعدك على الاستمرار بأن يذكرك أنك لست وحدك، ربما يرزقك الله عائلة صغيرة وأصدقاء، وهذا نعمة تستوجب الشكر ولكن الاستمرار يكون بصعوبة ومرارة قاسية عندما تكون وحيدا.
إن التأمل في نمط الحياة الغربي والحديث يكشف حجم الثمن الذي تدفعه الفردانية المفرطة والقسوة المجحفة ومصطلحات الكرامة وأخذ المواضيع بشكل شخصي بين أفراد العائلة؛ فالأسرة هناك غالبا ما تنحصر في النواة الضيقة: والدان وعدد محدود جدا من الأبناء، وفي ظل هذه الهشاشة العددية، إذا ما تعثرت العلاقات أو شابتها القطيعة بين الإخوان الأشقاء، يجد الإنسان نفسه في هذه الحياة في عزلة تامة، مخلفا وراءه "نقطة وحشة" قاسية لا سند فيها ولا ظهير سوى نفسه وشريك حياته.
وهنا يسعى الفرد لتكوين عائلته الصغيرة بأسرع وقت ممكن؛ فإن لم يملك إخوة وأخوات يستند إليهم في الحزن والضعف والسعادة والفرح، فلا خيار أمامه سوى شريك الحياة والأطفال، وإن لم يكوّن أسرته الخاصة - فربما هذا نصيبه بالحياة بأن يمضي بلا زوج/ة وأبناء - أو لم ينجح في حفظ علاقاته، قد ينتهي به المطاف في عمر متقدم يقطع وحدته بالتحدث مع كل من يراه في المقاهي والمطاعم والتشبث بهم، نتيجة احتياج بشري فطري لم يلبّ، فالصديق أو الشريك قد يتركك أو يبتعد لعدم وجود رابطة دم تحكم العلاقة بك ولن يتحمل سلبياتك، بينما الإخوة والعائلة - إن أحسنت التعامل معهم وربطتك بهم أواصر القربى كما يحثنا ديننا الإسلامي في المحافظة على صلة الرحم - سيحاولون دوما المحافظة عليك وتجاوز الزلات.
بل إن هذه الأزمة الغربية امتدت لتضع عبئا ثقيلا وغير واقعي على شريك الحياة وحده؛ إذ يتوقع منه أن يلعب الأدوار كافة في وقت واحد، مما يثقل كاهل العلاقة ويؤدي إلى إجهادها وانكسارها وصولا إلى الانفصال؛ لأن الفطرة الإنسانية لم تبن على أن يستمد الفرد احتياجاته العاطفية والاجتماعية كافة من شخص واحد مهما بلغت درجة القرب منه، دون وجود أصدقاء وإخوة يشاركونه أعباء الحياة.
ومن هنا تبرز أهمية المنظومة الاجتماعية والأسرية الممتدة التي تقدمها مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ ولا سيما من خلال روابط الأخوة المتعددة (الإخوان غير الأشقاء) وهي التي قد تنشأ من إخوان لا يشاركونك الأم أو الأب نفسيهما. إن الأخوة الممتدة تمنح الإنسان أفقا أرحب للتواصل والمشاركة؛ فأن تعلم أنه حتى إن لم تنجح علاقتك مع أخيك الشقيق، فإن لديك أخا آخر غير شقيق في هذا الكون لن يتركك وحيدا في مواجهة هذه الحياة الصعبة والمليئة بالشدائد بالمرور وحيدا - بغض النظر عن اختلاف الأم أو الأب - فهذا يبعث على الطمأنينة، بل وإن لم يكتب الله لك الزواج والإنجاب، فقد يكتبه لأخيك غير الشقيق، لترزق بأنس صحبته وأبنائه في حياتك، فلا تمضي عمرك وحيدا بل تكون محاطا بإخوتك الأشقاء وغير الأشقاء.
إن صلة الرحم في معناها العميق ليست مجرد واجب شرعي أو عرف اجتماعي، بل هي صمام أمان نفسي يوزع الأحمال العاطفية ويحمي العلاقات الزوجية والأسرية من الانهيار تحت وطأة التوقعات المفرطة، وحين نعيد ترميم هذه الجسور بالذكاء الاجتماعي والتغاضي عن الزلات، نسد تلك الفجوة القاسية المسماة «نقطة الوحشة»، فنستند إلى أصل ثابت وعزوة لا تميد، مستحضرين النصيحة النبوية الخالدة التي تجعل من صلة الرحم سعة في الرزق، وبركة في العمر، ودفئا لا ينقطع حتى آخر العمر.