الناتو الإسلامي.. بتوقيع الثلاث الكبار
الأحد، ١٦ أغسطس ٢٠٢٦معطيات الصدام بين واشنطن وطهران خرجت عن سياقاتها ومسبباتها. انحرفت البوصلة. دخل العسكر على خط السياسة. تصاعدت الأزمة. أريد للنار أن تنتقل للمحيط. حاول الحرس الثوري خنق العالم اقتصاديا.
لعب المتطرفون في إيران دورا كبيرا بتأجيج الصراع. اعتمدوا على مفهوم إما البقاء، أو إشعال المنطقة. تحرك المأجورون في العراق من مرتزقة ومخلفات قاسم سليماني. والحوثي المتخلف في اليمن، لم يكن بعيدا عن المشهد، باعتباره فاقدا للذهنية السياسية، ويدار من الخارج بثمن بخس.
حينما وجهت طهران هجماتها ضد السعودية ودول الخليج، انكشف المستور. واجهت معارضة ورفضا إقليميا ودوليا لسياساتها. كسر الصامتون عنها صمتهم، وانتقدوا سلوكها التخريبي.
كانت عوامل الحرب مرتبطة بأمريكا وإسرائيل. مع الوقت تبدلت المصالح. آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ صوبت نحو دول الخليج. أرادت إيران تعميم كرة النار وجر المنطقة لأتون الصراع. لكن الجيران كانوا أكثر ذكاء وحكمة.
المثير أن الرياض ورغم الاعتداءات على أراضيها، لم تتوقف عن لعب دور الوسيط لإخماد فتيل الأزمة مع غريمها التقليدي. وذا له مسببات؛ على رأسها أن المملكة لم تكن يوما عامل هدم بقدر ما تفضل السلام والحوار على حساب المصادمات العسكرية. وكثير من الأسباب الأخرى لسنا بصدد نقاشها.
قبل أيام، شهدت مكة المكرمة حدثا صدم العالم. فجأة وبلا مقدمات، ولا تسريبات، شوهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بعد أداء صلاة الجمعة بأقدس البقاع، بين أيديهم اتفاقية، تجمع دولهم الثلاث بإطار واحد.
الصورة أخفت كثيرا من المضامين. مثل ماذا؟ اجتماع الغطاء الإسلامي السني، مع الاقتصاد، والقدرة العسكرية والبشرية. السعودية تمثل المظلة الإسلامية السنية، باعتبارها دولة تحظى بثقل ديني دون غيرها. والتأثير السياسي الدولي. والاقتصاد والنفط عماد حياة الأمم.
باكستان قوة عسكرية لا يستهان بها. وهذا يمكن ربطه بامتلاكها سلاحا نوويا مكشوفا غير مندس. بالإضافة إلى أنها تتمتع بمجتمع فتي متعلم، ذي تركيبة مسلمة سنية؛ مع وجود أقلية شيعية، وشريحة قبلية ما بين بنجاب وبشتون، تتفق في ثقافتها العامة، على أن السعودية أرض مقدسة، وخط أحمر الذود عنه واجب شرعي.
وذلك ليس ادعاء أو أماني، إنما يمكن استنباطه من الارتباط التاريخي بين الرياض وإسلام أباد. هناك نقطة يجب وضعها بهذا الاتجاه. ما هي؟ إطار السياسة الباكستانية الذي لم تحد عنه منذ عشرات السنين، وتجسيده باستحالة ألا تكون المملكة أول محطة زيارة لأي رئيس وزراء، أو قائد للجيش. بزعمي تلك الزيارات ليست للفسحة، إنما لها معان عميقة واستراتيجية.
ماذا عن تركيا؟ بطبيعة الحال تركيا ذات قدرة عسكرية وبشرية لها وضع استثنائي. ما المقصود بذلك؟ أولا: كونها عضوا في حلف شمال الأطلسي «الناتو»؛ والاتحاد الأوروبي. للعلم: الأول تحالف عسكري، بينما الثاني سياسي واقتصادي.
ثمة ما أعتقد أنه لافت لمن يبحث ويقرأ في تاريخ الترك. والترك هم الأتراك بالمناسبة. التسمية الأولى مرتبطة بالجذور، والأخرى لمن يعيشون في تركيا. لكن المرجعية من حيث الجسد الاجتماعي واحدة.
على كل حال، الترك يمثلون مكونا رئيسيا مرتبطا بتشكيل مجتمعات دول لا تقتصر على تركيا فحسب؛ بل عديد من البقاع، مثل: كازاخستان، أوزباكستان، تركمانستان، قرغيزستان، وتركستان الشرقية. حتى التركمان كذلك. ووصلت مجاميع منهم - أي الترك -، إلى شمال أفغانستان، وأجزاء من القوقاز. وانتشروا في دول عربية، كالأردن وسوريا والعراق.
المفارقة بهذا الصدد، أنهم يشكلون القومية الأكبر في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويقدر عددهم بأكثر من 25 مليون نسمة من الشعب الإيراني.
المهم؛ أجزم أن صانع القرار السعودي، حينما أراد أو فكر بمثل هذا الاتفاق، محص جميع المعطيات التاريخية والاجتماعية والسياسية، وقرر الإمضاء على «اتفاق مكة»، الذي يمكن وصفه بالتاريخي، ويرقى لأن يكون حصنا حصينا للمنطقة.
السؤال المشروع: من المستفيد من الحلف، ومن المتضرر؟ المستفيد المنطقة برمتها، فقد سئمت الحروب والتناحر لعقود مضت. لماذا؟ لإمكانيته تكريس التنمية بهذا الجزء الهام من العالم. أتصور أن السعودية هي المثل الأعلى لتعميمها بأرجاء الإقليم.
بالنسبة للخاسر أو المتضرر إن جاز التعبير؟ أولا: يجب الاعتراف بأن الاتفاق ليس موجها ضد أحد. ثانيا: طبيعي أن يتضرر أو ينزعج منه كل من عمل لسنوات على تعميم الشر والفتنة، ومن يسير في فلكه من عصابات منفلتة، وميليشيات مقامرة تحت غطاء الدين والمذهب. أعني هنا بصراحة النظام الإيراني وأذرعه الخارجة عن القانون من الأوباش العرب.
وربما تكون حتى واشنطن مستاءة من الاتفاقية - وهذا لا يهم -، كونها ألغت مفهوم الحليف الواحد، وخلقت أرضية لاعتماد دول المنطقة المؤثرة على بعضها، باستغلال قدراتها الخاصة، بعيدا عن الآخرين.
إن التحالف الذي خططت له الرياض وأنجزته واقعيا، لا يبطن البحث عن أي حرب، إنه يمنع ولادتها من الأساس. ومن يرى عكس ذلك واهم، ويسير بالطريق الخطأ.
لقد تحملت المملكة مسؤولية صناعة طوق أمني لحماية المنطقة؛ لا بحثا عن الدم. أسست «ناتو إسلاميا».. بتوقيع الثلاث الكبار.