الرأي

رسمة مكة خير من ألف لوحة



في الشرق الأوسط ازدحمت الألوان والريشات، وتعددت اللوحات التي تحاول إعادة رسم شكل ومستقبل هذه المنطقة.

بعضها رسمت بالقوة، والبعض بالخيانات، وأخرى بالتهديد، فيما ظن آخرون أن المال قادر على شراء الخرائط الجاهزة، وأن محابر الموانئ يمكن أن تشبع أقلاما تعيد رسم الدول وتتحكم بمصائرها، وأن الفوضى خير طريق مختصر إلى نفوذ يأتي بالبلطجة.

وبين كل تلك الرسومات جاءت «اتفاقية مكة» لوحة تقول ببساطة: إبداع الرسم موهبة ومعرفة وقدرة.

لقد عاثت بلوحات المنطقة تدخلات كبرى ومشروعات مبتكرة، وخراب ودمار وتهجير للشعوب، وأحلام زائفة أكبر من أصحابها ونوايا غاشمة تتجاوز حدود قدرات كثير من مدعي مقدرة الرسم الإنساني!

دول مستقرة تعرضت للضغوط، وخنقت، وأخرى تمردت على قواعد الجيرة والنظام الدولي، وحاولت فرض قواعدها الخاصة وهي تتحرك في العتمة بحثا عن منفذ يقلب موازين المنطقة.

ووسط هذا المشهد المزدحم، بدت بعض لوحات التنمية أقرب إلى أحلام صيف مرتبكة منها إلى مشاريع نهضة قابلة للحياة.

مواجهة الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران، أوضحت أن قدرات الرسم العسكرية، مهما تعاظمت، لا تستطيع وحدها ضمان أمن خرائط الشرق الأوسط، ولا حماية كل بحر ومضيق، ولا منع كل يد معتدية من العبث بمستقبل الآخرين.

ومن هنا برزت الحاجة إلى تضامن وتكامل وترتيبات إقليمية عاقلة تقوم على تقاسم المسؤولية لا احتكارها، وبناء التوازنات لا فرض الوصايات.

فكانت رسمة اتفاقية مكة.

السعودية وتركيا وباكستان دول مسالمة لا تجمعها نزوات ولا نوايا شرور عابرة، بل يجمعها ثقل سياسي وعسكري واقتصادي وتاريخي، وتكامل يمكن، إذا أحسن استثماره، أن يتحول إلى قوة عالمية مسؤولة؛ لا تبحث عن تهديد أحد ولا عن احتلال أرض أو سرقة المياه والموارد الطبيعية، بل عن حماية الكينونة الدولية، والمصالح والاستقرار.

وهنا تكمن أهمية «اتفاقية مكة»؛ فهي ليست اتفاقا عابرا بين ثلاث دول، بل محاولة رسم خطوط جديدة في منطقة تجارب كثرت فيها الأيدي التي تمسك بالريشة وتعكر الألوان.

إسرائيل ماضية في رسم لوحتها الإبراهيمية، والتهيئة لطموحاتها ببلوغ لوحة إسرائيل الكبرى، وإيران بظلمة ألوانها جاهدة في رسم لوحات هيمنة أذرعها وصواريخها ومشروعها النووي، فيما تقف القوى الدولية الأخرى أمام لوحات مبتكرة، وليست المشكلة في أن يرسم الآخرون، بل في قدر انسجام رسوماتهم مع الخطوط السياسية والإنسانية والأمنية، كما بدأت تتشكل في لوحة مكة.

الألوان تتعدد وتتعارك، والأقلام تختلف، لكن مدمنو الرسم لن يستطيعوا تجاهل لوحة مكة الجديدة؛ كنقطة توازن عقلانية دون إقصاء، وبمرجعية عقلانية تنبذ مغامرات التلوين.

اتفاقية لا تحتاج إلى خصم كي تبرر وجودها؛ فقوتها تكمن في بناء أيادي السلام، وجعل الردع وسيلة لمنع الحروب.

وقد لا تعجب هذه الرسمة بعض الحالمين والطائشين، غير أن اللوحة التي ترسم بالوعي وتبنى على الثقة تكون أصعب على الكسر من لوحات طيش رسمت على عجل فوق جدران من التخبط.

سيعرف العالم عما قريب أن رسمة مكة خير من ألف رسمة وخطة رسام؛ لأنها ترسم شرقا أوسط يعرف كيف يحمي دوله، ويصنع سلامه بألوان الواقعية، ويرسم مستقبله بيد متمكنة جبارة في طلب الحق.