كيف تتحول المدينة إلى «غولم»؟
الأحد، ١٦ أغسطس ٢٠٢٦الفلم الصامت The Golem الذي أنتج سنة 1920 قدم أسطورة «الغولم» باعتبارها الكائن المنقذ لمشاكل الإنسان وحماية مجتمع المدينة. القصة معروفة في الفلكلور القديم وتدور في مجملها حول رجل دين (حاخام) يجد تمثالا طينيا على هيئة إنسان ضخم؛ ثم يمضي وقتا طويلا في قراءة الكتب الدينية للحصول على التميمة واستحضار الروح التي تعيد هذا الكائن للحياة ليستخدمه كخادم مطيع. مضى كل شيء على ما يرام وأصبح هذا «الغولم» يدافع عن المستضعفين وينفذ ما يطلب منه، ويقوم ببناء البيوت، وحمل الأحجار الضخمة، وحماية المدينة.. وبسبب الحسد، والكراهية، والأنانية يخرج «الغولم» عن السيطرة ويتحول إلى قوة لا يمكن إيقافها وتدب المشاكل والحرائق في المدينة. نفهم من ذلك أن الإنسان يستطيع أن يصنع قوة عظيمة لكنها قد تكون سببا في هلاكه عندما يعجز عن السيطرة عليها، لذلك، عادة ما يستخدم المصطلح اليوم كرمز لأي شيء يصنع لأهداف نبيلة ثم ينقلب على صانعه بما في ذلك بعض القرارات التخطيطية التي يتم تطويرها بشكل مرتجل بلا إطار حوكمة.
والسؤال الناجز هنا: هل يمكن أن تتحول المدينة إلى غولم؟ في الواقع الهدف من المدن هو الارتقاء بالمجتمعات وتحسين الحياة وأساليب المعيشة. ولكن يمكن أن يتحول هذا الهدف النبيل إلى مشاكل معقدة في حال لم ندرك السياق الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. نعم، المدينة يمكن أن تتحول إلى «غولم» حيث تبدأ بأحياء سكنية صغيرة وبسيطة، ثم تتوسع وتتضخم وتصعب إدارتها لتخرج عن السيطرة. إن المدن الحديثة بكل ما تحويه من شبكات نقل، وأنظمة اتصالات، وبنى تحتية، وأنظمة ذكية تمتلك القدرة على التأثير في جودة حياة المجتمع. ومع ذلك، فإن هذه القوة قد تساهم في توليد سياسات حضرية منحازة تؤثر سلبا على محدودي الدخل؛ إذا لم يتم ضبطها بإطار حوكمة عادل.
تحاول هذه المدن إنتاج بيئات تحمل مؤشرات رقمية مثالية؛ ولكنها في الواقع تخفي وراءها مشاكل معقدة.. مشاريع سكنية تعبر عن ارتفاع مخزون الإسكان رقميا؛ ولكنها في الواقع بيئات سيئة بعيدة عن الخدمات، وفرص العمل، والمناطق الحيوية في المدينة. أنظمة تمويل قد تساهم في زيادة نسبة التملك رقميا؛ ولكنها في الوقت ذاته تثقل كاهل الأسر بديون تستنزف نسبة كبيرة من دخلها. وهذا غيض من فيض لسياسات عمرانية بعيدة عن إطار الحوكمة.
إن مفهوم الحوكمة المبسط أراه مثل العملة التي لها وجهان، الوجه الأول يحاول الإجابة عن سؤال: كيف نحكم المدينة؟ ليؤكد على آليات تطوير المدينة نفسها بما في ذلك التشريعات العمرانية، والهياكل التنظيمية، والجهات الداخلة في صناعة القرار التنموي، وأصحاب المصلحة، وإدارة الموارد المالية. أما الوجه الثاني من العملة فيكشف لنا إجابة لسؤال: كيف نحكم على المدينة نفسها؟ ليبحث في الجهات التي يمكنها تقويم القرار التنموي، وآليات المشاركة المجتمعية، والرقابة والشفافية. هذا الإطار هام جدا، فنحن لا نستطيع أن نحكم على جودة السياسات والقرارات العمرانية؛ لأننا نعتقد أنها صحيحة. إطار الحوكمة هو كالمرآة التي تضع دائرة واضحة تحيط بهذه القرارات وتعمل على تقويمها والتأكد من صلاحيتها وتمنع خروجها من نطاق الدائرة.
ختاما، فإن إطار الحوكمة العادل يمنع تحول المدينة إلى «غولم» يؤثر سلبا على المجتمع. عندئذ، سوف تعكس قرارات التخطيط العمراني جودة حياة وتنمية اجتماعية حقيقية وليست على الورق.