الرأي

الدواء النفسي: ماذا لو كان الاستسلام هو التأجيل؟



في إحدى مجموعات الدعم شاركنا رجل في الخامسة والخمسين يعاني من القلق الاجتماعي. ولم يكن أكثر ما أوجعني في حكايته شدة القلق، بل الأعوام التي أمضاها وهو يظن أن القلق هو شخصيته. كلما انكمش في مجلس قال «هذا طبعي»، وكلما عجز عن بدء حديث قال «أنا من صغري قليل كلام». وإذا اعتذر عن مناسبة، وجد تفسيرا جاهزا «أنا لا أحب هذه الأجواء».

كانت هذه الجمل تمنحه راحة مؤقتة؛ فما دام الأمر طبعا، فلا شيء يحتاج إلى علاج. لكن هل الطبع يمنعك مما ترغب فيه، أم يترك لك حرية الاختيار؟ الهدوء طبع حين تستطيع أن تتكلم وتسكت بإرادتك. أما حين تريد الكلام ولا تستطيع، وحين تعود من لقاء بسيط منهكا لأنك راقبت كل كلمة ونظرة، فربما لا يكون الصمت اختيارك، بل اختيار القلق نيابة عنك.

رافقه الخوف زمنا طويلا حتى اختلط صوته بصوته. لم يعد يعرف أين تنتهي شخصيته وأين يبدأ قلقه. وكلما اقترب من باب العلاج، وجد سببا للتراجع: الأمر لا يستحق. سأعالج نفسي بنفسي. لقد عشت هكذا كل هذه السنوات. ماذا سيقول الناس إن عرفوا أنني أراجع طبيبا نفسيا؟ وماذا يعني أن أحتاج إلى دواء في هذا العمر؟

كان ينجو من الموعد، فيهدأ قلقه لحظة، لكنه لم يكن ينجو من الفاتورة. فالقلق لا يدفع ثمن إنذاراته وحده؛ نحن ندفعه معه من أعمارنا، وعلاقاتنا، والفرص التي نتراجع عنها.

كبرت بناته، وصار يستحي أن يرين ارتباكه. وكبر أبناؤه، وبدأ أصدقاؤهم يزورون المنزل. كان يسمع أصواتهم في المجلس فيؤجل المرور، أو يدخل بسلام مقتضب ثم ينسحب قبل أن يفتح أحدهم معه حديثا. جاء شبان لزيارة أبنائه، لكن قلقه رآهم لجنة جاءت لاختبار الأب.

مع الوقت، بدأ يقرأ الحرج في عيون أبنائه. وربما لم تكن كل نظرة كما فهمها؛ فالقلق بارع في وضع معانيه داخل وجوه الناس. لكن ألمه كان حقيقيا. وللمرة الأولى، لم ير القلق مشكلة تخصه وحده؛ رآه يدخل بيته، ويقف بينه وبين أبنائه، ويتسلل إلى الصورة التي سيحملونها عن أبيهم بعد سنوات. أدرك أن الخوف الذي ظنه يحميه من إحراج عابر، أخذ منه شيئا أثمن: حضوره في بيته.

عندها طرق الباب الذي ظل يؤجله. ذهب إلى المختص، ونظر بصدق إلى الخيارات العلاجية، ومنها الدواء إن كان مناسبا لحالته. لم يفعل ذلك لأن الوصمة اختفت، ولا لأن الخوف زال؛ بل لأن كلفة البقاء كما هو أصبحت أكبر من كلفة الخطوة التي يخشاها.

فهل كان طلب العلاج استسلاما؟ أم أن الاستسلام الحقيقي كان في الأعوام التي ترك فيها الخوف يقرر أين يذهب، ومع من يتحدث، وكم يظهر من نفسه؟

كم من ألم حاكمناه أخلاقيا قبل أن نفهمه طبيا؟ عُدت بعض استجابات الجنود لصدمات الحرب جبنا، قبل أن يتطور فهمها ويصبح لها اسم تشخيصي. لم تخلق التسمية معاناتهم؛ كانت المعاناة موجودة. لكنها ساعدت على نقلها من محكمة الاتهام إلى مساحة الفهم والعلاج. فهل تغير الألم، أم تغيرت العين التي تنظر إليه؟

قد يكون ما سميته طوال حياتك ضعفا في الشخصية حالة يمكن التعامل معها، وما حسبته نقصا في العزم جهاز إنذار يحتاج إلى عناية، وما ظننته قدرا ثابتا بابا لم تطرقه بعد.

وقد لا تكون أشجع خطوة تخطوها وقوفا أمام جمهور، ولا دخولا إلى مجلس مزدحم. قد تكون اتصالا تحجز به موعدا، أو جلسة تقول فيها الحقيقة التي أخفيتها سنوات، أو حبة صغيرة ترفض أن تراها حكما على عقلك أو قيمتك.

فالحمد لله على تعدد الأبواب، وعلى المعرفة، وعلى الطبيب والمعالج والدواء حين نحتاج إليهم. لا تجعل ما مضى حجة لتضيع ما بقي. وبدل أن تقف طويلا أمام الباب تسأل: ماذا سيقول الناس؟ اسأل نفسك: كم من عمري ما زال يستحق أن أنقذه؟ ثم خذ بالأسباب، وافتح الباب.