الرأي

حين يصبح التعطيل قوة



ثماني سفن فقط عبرت مضيق هرمز في أحد أيام أغسطس، في ممر كانت تعبره قبل الحرب أكثر من 110 سفن يوميا. الرقم لا يصف أزمة في الملاحة فقط، بل يكشف شيئا أكبر عن العالم الذي نعيش فيه؛ فكيف يستطيع طرف أقل قوة أن يجعل شركات ودولا وأسواقا بعيدة عنه تعيد حساباتها، وتغير طرقها، وترفع أسعارها، وتتصرف كما لو أن الخطر وصل إليها بالفعل؟

المسألة لا تتعلق بقوة هذا الطرف وحدها، بل بطبيعة العالم نفسه. خلال العقود الماضية أصبح الاقتصاد العالمي أكثر ترابطا من أي وقت مضى؛ البضائع والطاقة والبيانات تتحرك عبر شبكات وممرات محددة، وتعتمد الأسواق على أن يصل كل شيء تقريبا في موعده. هذا الترابط جعل التجارة أسرع وأقل كلفة، لكنه جعل العالم أيضا أكثر حساسية لأي خلل؛ فكلما ربطنا أجزاءه ببعضها أكثر، أصبح تعطل جزء صغير قادرا على التأثير في أجزاء كثيرة.

وهنا تظهر صورة مختلفة للقوة. لم يعد من الضروري أن تملك الجيش الأكبر أو أن تسيطر على البحر كله حتى تؤثر فيه. قد يكفي أن تجعل المرور في منطقة مهمة أكثر خطورة، فتبدأ سلسلة من القرارات التي تتجاوز موقع الحدث؛ شركة تأمين ترفع كلفتها، سفينة تغير مسارها، مستورد يبحث عن مصدر آخر، وسوق يرفع الأسعار خوفا مما قد يحدث لاحقا.

وأحيانا لا يكون أثر الصاروخ في ما يصيبه، بل في كل القرارات التي تتخذ خوفا من الصاروخ التالي. هنا تحديدا تظهر قوة التعطيل؛ بأن يستطيع طرف، حتى لو كان أضعف من خصمه، رفع كلفة الحركة والتجارة والقرار عليه وعلى الآخرين، من دون أن يكون قادرا على هزيمته عسكريا. فالقوة لم تعد فقط في القدرة على السيطرة، بل أيضا في القدرة على إرباك ما يعتمد عليه الآخرون.

التعطيل بالطبع ليس جديدا؛ الحروب عرفته دائما. الجديد هو أن العالم المترابط منحه أثرا أكبر من السابق. نقطة صغيرة على الخريطة قد تؤثر في أسواق تبعد عنها آلاف الكيلومترات، وتهديد محدود قد ينتج أثرا اقتصاديا وسياسيا أكبر بكثير من حجم من أطلقه. وبهذا المعنى، فإن العالم صنع بعض نقاط ضعفه في الوقت نفسه الذي بنى فيه قوته وكفاءته.

لكن هذه القوة ليست بلا حدود. فعندما يصبح طريق ما خطرا باستمرار، يبدأ العالم في البحث عن طريق آخر، وعندما تنكشف نقطة ضعف تتجه الدول والشركات إلى بناء البدائل؛ مخزونات أكبر، وممرات مختلفة، وحماية أفضل، ومصادر أكثر تنوعا. ولذلك فإن الإفراط في التعطيل قد يدفع الآخرين في النهاية إلى تقليل قدرتك على استخدامه مرة أخرى.

وهنا ربما يتغير سؤال القوة في السنوات المقبلة. لن يكون السؤال فقط: من يملك السلاح الأقوى؟ بل أيضا؛ من يستطيع الاستمرار عندما تتعطل الأشياء من حوله؟ فالطرف الأضعف قد لا يستطيع هزيمتك، لكنه قد يستطيع جعل تفوقك أكثر كلفة. وفي عالم بني على أن كل شيء يجب أن يصل في موعده، قد تصبح إحدى أكثر صور القوة تأثيرا هي القدرة على جعل الأشياء لا تصل.