التبرير... الهروب من الحقيقة
الخميس، ١٣ أغسطس ٢٠٢٦
يروى أن باحثة أمريكية في علم النفس حصلت على إذن لقضاء ساعات طويلة يوميا قريبا من نزلاء أحد عنابر القتلة في سجن أمريكي، رغبة في دراسة شخصياتهم، والبحث في أثر الظروف الأسرية والاجتماعية في تشكيل مساراتهم الإجرامية. كانت تستمع إلى كل واحد منهم وهو يروي حكايته، ويشرح دوافعه، ويسوق مبرراته، ويقدم نفسه بوصفه ضحية أكثر منه جانيا. ومع مرور الأيام أخذت تنظر إليهم بعين مختلفة، حتى مالت إلى اعتبارهم ضحايا لظروفهم الأسرية والاجتماعية أكثر من كونهم مسؤولين عن جرائمهم، وغلب عليها التعاطف معهم.
تكشف هذه التجربة عن قوة التبرير، وقدرته على إعادة تشكيل إدراك الإنسان للواقع؛ فحين تروى القصة في قالب من الحجج المغلفة بالعاطفة، قد يجد المستمع نفسه محاميا عن الجاني بدلا من أن يكون باحثا عن الحقيقة.
والتبرير في علم النفس إحدى الآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان ليخفف شعوره بالذنب، أو يحافظ على صورته الإيجابية عن نفسه. وحين تتعارض أفعاله مع قيمه، ينشأ ما يسميه العلماء «التنافر المعرفي»، فيسارع العقل إلى اختراع قصة مريحة تفسر الخطأ بدل الاعتراف به.
ولهذا فإن الإنسان لا يسمي ما يفعله تبريرا، بل يسميه اجتهادا، أو وجهة نظر، أو قراءة مختلفة للواقع، ثم يدافع عنها باستماتة، ويلوي أعناق الوقائع لتنسجم معها. فالمخطئ لا يرى نفسه مخطئا، بل صاحب قضية، والمقصر لا يعد نفسه مقصرا، بل يعتقد أن الظروف هي التي أوصلته إلى ما هو عليه، والمعتدي كثيرا ما يقنع نفسه بأنه كان يدافع عن حقه. وهكذا تتحول المبررات إلى عدسات يرى الإنسان من خلالها العالم، فلا يعود يرى الأشياء كما هي، بل كما يريدها أن تكون.
ولا يقف التبرير عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى الجماعات والمؤسسات وحتى الدول. فكثير من الفساد والظلم والحروب يبدأ بحكاية تبرر الفعل قبل وقوعه، ثم يستمر بروايات تبرره بعد وقوعه. ولهذا نجد أن معظم المذنبين، على اختلاف مواقعهم، يتشابهون في شيء واحد: أنهم نادرا ما يعترفون بخطئهم اعترافا كاملا، بل يبحثون دائما عن سبب خارجي يحملونه المسؤولية، أو يحملونه جزءا منها.
وليس معنى هذا أن الإنسان مطالب بأن يجلد ذاته عند كل هفوة؛ فالتبرير قد يكون في بعض المواقف وسيلة مؤقتة لحماية النفس من الصدمات وتأنيب الضمير، لكنه يصبح خطرا حين يتحول إلى أسلوب حياة. فالخطأ الذي يعترف به يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يبرر فإنه يتكرر؛ لأن صاحبه لم يقتنع أصلا بأنه أخطأ.
ومن أخطر آثار التبرير أنه يحرم الإنسان من فرصة النمو والتطور. فالاعتراف بالخطأ هو بداية التغيير، أما الإصرار على تبريره فهو إغلاق لباب المراجعة والتعلم. ولهذا نرى أن الأشخاص الأكثر نضجا ليسوا أولئك الذين لا يخطئون، بل الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأخطائهم، والاعتذار عنها، والعمل على إصلاحها.
ولعل هذا ما تعبر عنه المقولة المنسوبة إلى الكاتبة آين راند «يمكنك تجنب الواقع، لكن لا يمكنك تجنب عواقب تجنب الواقع». فالهروب من الحقيقة لا يلغيها، وإنما يؤخر مواجهتها ويضاعف ثمنها.
ومهما نجح الإنسان في إقناع الآخرين بروايته، فإن في داخله شاهدا لا يمكن إسكاته؛ وهنا تتجلى دقة قول النبي ﷺ «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس».
تبدأ النجاة من فخ التبرير بالصدق مع النفس، وبالشجاعة في تسمية الخطأ باسمه ومواجهته قبل أن يصبح عادة، وإصلاحه قبل أن تتسع آثاره. فليس العيب أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يسخر ذكاءه لإخفاء خطئه، ويجعل من حججه وسيلة للتنصل من مسؤوليته. وقد تقنع المبررات الناس حينا، لكنها لا تغير الحقيقة، ولا تخفى على الله الذي يعلم السر وأخفى.
تكشف هذه التجربة عن قوة التبرير، وقدرته على إعادة تشكيل إدراك الإنسان للواقع؛ فحين تروى القصة في قالب من الحجج المغلفة بالعاطفة، قد يجد المستمع نفسه محاميا عن الجاني بدلا من أن يكون باحثا عن الحقيقة.
والتبرير في علم النفس إحدى الآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان ليخفف شعوره بالذنب، أو يحافظ على صورته الإيجابية عن نفسه. وحين تتعارض أفعاله مع قيمه، ينشأ ما يسميه العلماء «التنافر المعرفي»، فيسارع العقل إلى اختراع قصة مريحة تفسر الخطأ بدل الاعتراف به.
ولهذا فإن الإنسان لا يسمي ما يفعله تبريرا، بل يسميه اجتهادا، أو وجهة نظر، أو قراءة مختلفة للواقع، ثم يدافع عنها باستماتة، ويلوي أعناق الوقائع لتنسجم معها. فالمخطئ لا يرى نفسه مخطئا، بل صاحب قضية، والمقصر لا يعد نفسه مقصرا، بل يعتقد أن الظروف هي التي أوصلته إلى ما هو عليه، والمعتدي كثيرا ما يقنع نفسه بأنه كان يدافع عن حقه. وهكذا تتحول المبررات إلى عدسات يرى الإنسان من خلالها العالم، فلا يعود يرى الأشياء كما هي، بل كما يريدها أن تكون.
ولا يقف التبرير عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى الجماعات والمؤسسات وحتى الدول. فكثير من الفساد والظلم والحروب يبدأ بحكاية تبرر الفعل قبل وقوعه، ثم يستمر بروايات تبرره بعد وقوعه. ولهذا نجد أن معظم المذنبين، على اختلاف مواقعهم، يتشابهون في شيء واحد: أنهم نادرا ما يعترفون بخطئهم اعترافا كاملا، بل يبحثون دائما عن سبب خارجي يحملونه المسؤولية، أو يحملونه جزءا منها.
وليس معنى هذا أن الإنسان مطالب بأن يجلد ذاته عند كل هفوة؛ فالتبرير قد يكون في بعض المواقف وسيلة مؤقتة لحماية النفس من الصدمات وتأنيب الضمير، لكنه يصبح خطرا حين يتحول إلى أسلوب حياة. فالخطأ الذي يعترف به يمكن إصلاحه، أما الخطأ الذي يبرر فإنه يتكرر؛ لأن صاحبه لم يقتنع أصلا بأنه أخطأ.
ومن أخطر آثار التبرير أنه يحرم الإنسان من فرصة النمو والتطور. فالاعتراف بالخطأ هو بداية التغيير، أما الإصرار على تبريره فهو إغلاق لباب المراجعة والتعلم. ولهذا نرى أن الأشخاص الأكثر نضجا ليسوا أولئك الذين لا يخطئون، بل الذين يملكون شجاعة الاعتراف بأخطائهم، والاعتذار عنها، والعمل على إصلاحها.
ولعل هذا ما تعبر عنه المقولة المنسوبة إلى الكاتبة آين راند «يمكنك تجنب الواقع، لكن لا يمكنك تجنب عواقب تجنب الواقع». فالهروب من الحقيقة لا يلغيها، وإنما يؤخر مواجهتها ويضاعف ثمنها.
ومهما نجح الإنسان في إقناع الآخرين بروايته، فإن في داخله شاهدا لا يمكن إسكاته؛ وهنا تتجلى دقة قول النبي ﷺ «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس».
تبدأ النجاة من فخ التبرير بالصدق مع النفس، وبالشجاعة في تسمية الخطأ باسمه ومواجهته قبل أن يصبح عادة، وإصلاحه قبل أن تتسع آثاره. فليس العيب أن يخطئ الإنسان، وإنما أن يسخر ذكاءه لإخفاء خطئه، ويجعل من حججه وسيلة للتنصل من مسؤوليته. وقد تقنع المبررات الناس حينا، لكنها لا تغير الحقيقة، ولا تخفى على الله الذي يعلم السر وأخفى.