ما يتكرر في المكاتب... يصبح ثقافة ولو لم يكتب
الخميس، ١٣ أغسطس ٢٠٢٦
تعتقد بعض المنظمات أن الثقافة التنظيمية تبنى في اللوائح، وتصاغ في القيم المعلنة، وتعرض في الخطط والتقارير. غير أن الثقافة الحقيقية لا تتكون في الوثائق وحدها، بل تنشأ في التفاصيل اليومية، وفي السلوك الذي يتكرر حتى يصبح مألوفا، ثم يتحول مع الوقت إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم العمل وتؤثر في الناس.
فإذا كان التأخر عن الاجتماعات يتجاوز عنه باستمرار، فسيفهم العاملون أن احترام الوقت ليس أولوية حقيقية. وإذا كانت المجاملة تسبق الكفاءة، فإن الرسالة التي تصل إليهم أن العلاقات أقوى من الاستحقاق. وإذا كان إخفاء الخطأ أكثر أمانا من الإبلاغ عنه، فسوف تتراجع الشفافية، وتضيع فرص التعلم، ويتحول الخطأ الصغير إلى مشكلة أكبر كان يمكن معالجتها في بدايتها.
الثقافة التنظيمية، بهذا المعنى، ليست ما تقوله المنظمة عن نفسها، بل ما يراه العاملون ويتعاملون معه كل يوم. وهم يراقبون بدقة كيف تتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، وكيف تعالج الخلافات، ومن يكافأ، ومن يستثنى، وما السلوك الذي يرفض، وما السلوك الذي يمر بلا تعليق. ومن مجموع هذه الملاحظات تتكون لديهم صورة واقعية عن المنظمة، قد تختلف تماما عن صورتها المعلنة.
ولا تتكون هذه الثقافة من القرارات الكبرى وحدها؛ فقد تصنعها نبرة الحديث، وطريقة إدارة الاجتماع، والاستجابة لمقترح جديد، والتعامل مع موظف أخطأ أو اعترض. فهذه التفاصيل تبدو عابرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى دروس عملية يتعلم منها الجميع حدود المقبول والمرفوض.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للقيادة والإدارة. فالقائد لا يصنع الثقافة بالخطب والتعاميم فقط، بل بما يسمح باستمراره تحت إشرافه، وبما يتغاضى عنه، وبما يكرره بنفسه، وبالرسائل التي يبعثها في المواقف اليومية. وقد يكون صمته عن سلوك معين أقوى من عشرات التعليمات؛ لأن العاملين يفسرون الصمت بوصفه قبولا، ويعيدون إنتاج السلوك حتى يصبح جزءا من بيئة العمل.
ومن منظور الجودة والتحسين المستمر، فإن أخطر الممارسات ليست بالضرورة تلك التي تبدأ بصورة كبيرة وواضحة، بل تلك التي تتكرر بصورة صغيرة حتى تفقد المنظمة حساسيتها تجاهها. فالاستثناء المتكرر يتحول إلى عرف، والتجاوز المتكرر يصبح أمرا طبيعيا، والحل المؤقت قد يتحول إلى أسلوب دائم. وعندها لا تعود المشكلة في إجراء واحد، بل في نمط تفكير ترسخ وأصبح مقاوما للتغيير.
ولهذا تحتاج المنظمات إلى مراجعة سلوكها الفعلي، لا الاكتفاء بمراجعة وثائقها. عليها أن تسأل: هل ما نكافئ عليه ينسجم مع ما نعلنه؟ وهل نطبق الأنظمة بعدالة؟ وهل نتيح للعاملين التعبير عن المشكلات دون خوف؟ وهل نصحح الانحرافات منذ بدايتها، أم نتركها حتى تتحول إلى عادات يصعب تفكيكها؟
إن بناء الثقافة لا يحتاج دائما إلى شعارات جديدة، بل إلى اتساق يومي بين القول والممارسة. فحين يرى العاملون أن الوقت محترم، والكفاءة مقدمة، والأنظمة عادلة، والخطأ فرصة للتعلم، تبدأ الثقافة المرغوبة في التشكل تلقائيا.
لذلك لا تسأل فقط: ما ثقافة منظمتنا؟ بل اسأل: ما السلوك الذي يتكرر كل يوم دون أن يلفت انتباه أحد؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكشف الحقيقة أكثر من أي وثيقة رسمية؛ لأن ما يتكرر في المكاتب يصبح ثقافة، ولو لم يكتب.
salehsalmanalen@
فإذا كان التأخر عن الاجتماعات يتجاوز عنه باستمرار، فسيفهم العاملون أن احترام الوقت ليس أولوية حقيقية. وإذا كانت المجاملة تسبق الكفاءة، فإن الرسالة التي تصل إليهم أن العلاقات أقوى من الاستحقاق. وإذا كان إخفاء الخطأ أكثر أمانا من الإبلاغ عنه، فسوف تتراجع الشفافية، وتضيع فرص التعلم، ويتحول الخطأ الصغير إلى مشكلة أكبر كان يمكن معالجتها في بدايتها.
الثقافة التنظيمية، بهذا المعنى، ليست ما تقوله المنظمة عن نفسها، بل ما يراه العاملون ويتعاملون معه كل يوم. وهم يراقبون بدقة كيف تتخذ القرارات، وكيف توزع الفرص، وكيف تعالج الخلافات، ومن يكافأ، ومن يستثنى، وما السلوك الذي يرفض، وما السلوك الذي يمر بلا تعليق. ومن مجموع هذه الملاحظات تتكون لديهم صورة واقعية عن المنظمة، قد تختلف تماما عن صورتها المعلنة.
ولا تتكون هذه الثقافة من القرارات الكبرى وحدها؛ فقد تصنعها نبرة الحديث، وطريقة إدارة الاجتماع، والاستجابة لمقترح جديد، والتعامل مع موظف أخطأ أو اعترض. فهذه التفاصيل تبدو عابرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى دروس عملية يتعلم منها الجميع حدود المقبول والمرفوض.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للقيادة والإدارة. فالقائد لا يصنع الثقافة بالخطب والتعاميم فقط، بل بما يسمح باستمراره تحت إشرافه، وبما يتغاضى عنه، وبما يكرره بنفسه، وبالرسائل التي يبعثها في المواقف اليومية. وقد يكون صمته عن سلوك معين أقوى من عشرات التعليمات؛ لأن العاملين يفسرون الصمت بوصفه قبولا، ويعيدون إنتاج السلوك حتى يصبح جزءا من بيئة العمل.
ومن منظور الجودة والتحسين المستمر، فإن أخطر الممارسات ليست بالضرورة تلك التي تبدأ بصورة كبيرة وواضحة، بل تلك التي تتكرر بصورة صغيرة حتى تفقد المنظمة حساسيتها تجاهها. فالاستثناء المتكرر يتحول إلى عرف، والتجاوز المتكرر يصبح أمرا طبيعيا، والحل المؤقت قد يتحول إلى أسلوب دائم. وعندها لا تعود المشكلة في إجراء واحد، بل في نمط تفكير ترسخ وأصبح مقاوما للتغيير.
ولهذا تحتاج المنظمات إلى مراجعة سلوكها الفعلي، لا الاكتفاء بمراجعة وثائقها. عليها أن تسأل: هل ما نكافئ عليه ينسجم مع ما نعلنه؟ وهل نطبق الأنظمة بعدالة؟ وهل نتيح للعاملين التعبير عن المشكلات دون خوف؟ وهل نصحح الانحرافات منذ بدايتها، أم نتركها حتى تتحول إلى عادات يصعب تفكيكها؟
إن بناء الثقافة لا يحتاج دائما إلى شعارات جديدة، بل إلى اتساق يومي بين القول والممارسة. فحين يرى العاملون أن الوقت محترم، والكفاءة مقدمة، والأنظمة عادلة، والخطأ فرصة للتعلم، تبدأ الثقافة المرغوبة في التشكل تلقائيا.
لذلك لا تسأل فقط: ما ثقافة منظمتنا؟ بل اسأل: ما السلوك الذي يتكرر كل يوم دون أن يلفت انتباه أحد؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكشف الحقيقة أكثر من أي وثيقة رسمية؛ لأن ما يتكرر في المكاتب يصبح ثقافة، ولو لم يكتب.
salehsalmanalen@