الرأي

التاريخ العسكري السعودي.. معاهدة مكة واسطة عقد التحالفات

في عام 2015م، وفي أثناء قيادة المملكة العربية السعودية لعملية «عاصفة الحزم»، كتب الدكتور عبدالهادي السلمي مقالا بعنوان «حلف لتوازن القوى وتحقيق الاستقرار»، تناول فيه موقع المملكة العربية السعودية في منظومة الأمن الإقليمي، ودورها في قيادة التحالف العربي، بمشاركة عدد من الدول العربية، من بينها الإمارات والبحرين وقطر والكويت ومصر والمغرب والأردن.

وانطلاقا من ثقته بسياسة قادة المملكة العربية السعودية، وما عرف عنهم من حكمة وبعد نظر وحزم وحرص على أمن الوطن والمواطن، واستشعار للمسؤولية تجاه قضايا الأمتين العربية والإسلامية وأمنهما واستقرارهما، رأى الكاتب آنذاك أن القيادة السعودية قد تتجه إلى توسيع نطاق ذلك التحالف وتعزيز قوته في مواجهة المتغيرات والتحديات الإقليمية، ورأى أن تركيا وباكستان من أبرز القوى المرشحة للانضمام إلى إطار تحالفي أوسع، بما يسهم في تحقيق توازن القوى ودعم الاستقرار وحماية مصالح دول المنطقة.

وبعد أحد عشر عاما، تستدعي تلك القراءة التأمل عند النظر إلى «معاهدة مكة للدفاع المشترك»، الموقعة في 7 أغسطس 2026م بمكة المكرمة، بجوار الحرم المكي، عقب صلاة الجمعة. فقراءة البيان الصادر عنها، وما سبقها من مباحثات وتنسيق امتد على مدى سنوات، يشيران إلى أن المعاهدة لم تكن وليدة ظرف عابر أو رد فعل آني، وإنما جاءت تتويجا لمسار من التقارب والتنسيق الاستراتيجي بين أطرافها.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التحالف الذي قادته المملكة العربية السعودية في «عاصفة الحزم» بوصفه إحدى المحطات المهمة في تطور مفهوم العمل الدفاعي الجماعي في المنطقة، وصولا إلى معاهدة مكة. ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذه المعاهدة في سياقها التاريخي الأوسع، وتتبع أبرز التحالفات والمشاركات العسكرية التي عرفتها المملكة، ورصد تحولاتها ودلالاتها وصولا إلى المرحلة الراهنة.

ويكشف استقراء التاريخ العسكري السعودي منذ تأسيس المملكة عن سمة ثابتة في سياستها؛ إذ ارتبطت مشاركاتها العسكرية وتحالفاتها في جوهرها بالدفاع عن أمنها ومصالحها، أو نصرة الأشقاء، أو مواجهة أخطار تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ولم تكن يوما مدفوعة بأطماع توسعية أو رغبة في إثارة النزاعات والقلاقل. فالمملكة دولة تنشد السلام والاستقرار والنماء، وتقدم الحلول السياسية والدبلوماسية متى كانت قادرة على تحقيق غاياتها، ولا تلجأ إلى القوة العسكرية إلا عندما تفرض الظروف ذلك، وتضيق سبل المعالجة السياسية والدبلوماسية عن احتواء الخطر أو رد العدوان.

ولا يقتصر هذا المسار على التحالفات العسكرية المؤسسية، بل يشمل المشاركات والاصطفافات العسكرية التي أسهمت فيها المملكة إلى جانب الدول الشقيقة والصديقة، فضلا عن أدوار قواتها المسلحة في المهام الإنسانية والإغاثية وعمليات الإجلاء والإخلاء في مناطق الأزمات؛ وهو ما تكشفه أبرز المحطات التاريخية الآتية:
1- 1367هـ/1948م - حرب فلسطين (النكبة)
شاركت المملكة بقواتها إلى جانب القوات العربية في حرب فلسطين، في صورة مبكرة للعمل العسكري العربي المشترك ضد القوات الإسرائيلية.

2- 1376هـ/1956م - العدوان الثلاثي على مصر (أزمة السويس)
وقفت المملكة إلى جانب مصر في مواجهة العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وقدمت دعما سياسيا واقتصاديا وعسكريا في إطار التضامن العربي.

3- 1382هـ/1962م وما بعدها - الحرب الأهلية في اليمن
ساندت المملكة الحكم الملكي القائم في اليمن في مواجهة القوى الجمهورية المدعومة عسكريا وسياسيا من نظام الرئيس المصري جمال عبدالناصر.

4- 1387هـ/1967م - حرب يونيو (حرب الأيام الستة - النكسة)
وقفت المملكة إلى جانب دول المواجهة العربية ضد إسرائيل، وقدمت الدعم السياسي والمالي والعسكري، واستمر الحضور العسكري السعودي على جبهات المواجهة بعد الحرب.

5- 1393هـ/1973م - حرب أكتوبر (حرب رمضان)
شاركت المملكة في المجهود العربي ضد إسرائيل بقوات على الجبهة السورية، إلى جانب الدعم السياسي والاقتصادي واستخدام النفط أداة استراتيجية لدعم الموقف العربي.

6- 1402هـ/1982م - إنشاء قوة درع الجزيرة
شاركت المملكة مع دول مجلس التعاون في إنشاء قوة درع الجزيرة للدفاع المشترك، التي أصبحت إحدى ركائز منظومة الأمن والدفاع الخليجي.

7- 1411هـ/1990–1991م - التحالف الدولي لتحرير الكويت (حرب الخليج الثانية)
كان للمملكة دور محوري في التحالف الدولي عقب الغزو العراقي للكويت، واستضافت قواته وشاركت عسكريا في الدفاع عن أراضيها وتحرير الكويت.

8- 1412هـ/1992م - المشاركة الإنسانية في الصومال
شاركت القوات المسلحة السعودية تحت مظلة الأمم المتحدة في الجهود الإنسانية بالصومال، وتأمين وصول المساعدات والإغاثة للمتضررين.

9- 1421هـ/2000م - اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون
رسخت الاتفاقية مبدأ الدفاع الجماعي، وأن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، والاعتداء على إحداها اعتداء على جميعها.

10- 1432هـ/2011م - مشاركة قوات درع الجزيرة في البحرين
شاركت القوات السعودية ضمن درع الجزيرة في البحرين، تطبيقا لمنظومة الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون.

11- 1434هـ/2013م - إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون
أنشئت القيادة العسكرية الموحدة لتعزيز التكامل والتنسيق والقيادة والسيطرة بين القوات المسلحة الخليجية.

12- 1435هـ/2014م، التحالف الدولي ضد تنظيم داعش
انضمت المملكة إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وأسهمت في الجهود العسكرية والأمنية والاستخباراتية والمالية لمواجهته.

13- 1436هـ/2015م - التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن (عاصفة الحزم)
قادت المملكة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وانطلقت «عاصفة الحزم» في مارس 2015م، ثم أعقبتها عملية «إعادة الأمل».

14- 1437هـ/2015م، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب
أسست المملكة التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، ومقره الرياض، لتنسيق جهود الدول الأعضاء عسكريا وفكريا وإعلاميا وماليا في مكافحة الإرهاب.

15- 1442هـ/2021م – تطوير منظومة القيادة العسكرية الخليجية الموحدة
واصلت دول مجلس التعاون تطوير منظومة القيادة والدفاع الجماعي، وتعزيز التكامل العسكري الخليجي.

16- 1448هـ/2026م – معاهدة مكة للدفاع المشترك
تمثل معاهدة مكة محطة مهمة في تطور التحالفات الدفاعية للمملكة، وتقوم على الدفاع المشترك والتنسيق العسكري، امتدادا لمسار من التقارب والتنسيق الاستراتيجي بين أطرافها.

ومن مزايا المعاهدة بالوقت الراهن محدودية عدد أطرافها وتجانس مصالحهم، بما يعزز سرعة التوافق واتخاذ القرار وتركيز الجهود ضمن نطاق جغرافي وملفات أكثر قابلية للإدارة؛ ففاعلية التحالف لا تقاس بكثرة أعضائه بقدر ما تقاس بوحدة أهدافهم ومصالحهم وقدرتهم على العمل المشترك.

وتكتسب المعاهدة، إلى جانب أبعادها السياسية والعسكرية، رمزية روحية من مكان وزمان توقيعها؛ فقد وقعت يوم الجمعة في رحاب مكة المكرمة، مهبط الوحي، ومنبع الرسالة، وقبلة المسلمين، وبجوار الحرم المكي الشريف.

وفي ضوء ما سبق، تمثل «معاهدة مكة» حدثا تاريخيا مفصليا في مسيرة التحالفات الدفاعية، وقد تكون باكورة تحالف دفاعي عسكري أوسع تقوده المملكة العربية السعودية، ويتسع مستقبلا ليشمل دولا أخرى في المنطقة وخارجها، تجمعها مصالح مشتركة في مواجهة التهديدات والتحديات المختلفة وتعزيز الأمن، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار والسلام.