الرأي

عندما ندفع نسبة التحمل النفسي


في التأمين، هنالك مفهوم يطلق عليه «نسبة التحمل»؛ ذلك الجزء الذي يتحمله المؤمن له عند وقوع الضرر، لهذه النسبة أهداف واضحة؛ فهي تجعل الإنسان أكثر وعيا في استخدام التأمين، وأكثر حرصا على الوقاية، كما تحد من العشوائية وتخفف العبء عن الشركات التي تقدم خدمة التأمين.

إذا أسقطنا ذلك المفهوم على حياتنا النفسية، فإن لكل واحد منا نسبة تحمل نفسية يدفعها كي يحافظ على توازنه الداخلي.

نحن لا نواجه صدمات الحياة مباشرة، بل نلجأ، بوعي أو من دونه، لما يسمى في علم النفس بـ«آليات الدفاع النفسي»، ليست هذه الآليات علامة ضعف، كما يشاع، بل نظام حماية مؤقت، يمنح النفس فرصة لامتصاص الصدمة قبل مواجهتها.

قد ننكر حقيقة مؤلمة لبعض الوقت، ونبرر موقفا يصعب تقبله، أو نلجأ للفكاهة لتخفيف وطأة الخسارة، أو نؤجل مواجهة مشاعرنا حتى نمتلك القدرة على التعامل معها، كل ذلك يشبه دفع نسبة التحمل؛ فنحن نسدد جزءا من الألم بأنفسنا، حتى لا ينهار نظامنا النفسي بأكمله.

النفس البشرية، عند كل أزمة جديدة، لا تبدأ من الصفر بل تفتح أرشيفا داخليا بالغ الدقة، وتستعرض خلاله شريط الخبرات السابقة، والانتصارات الصغيرة، والإخفاقات القديمة، والوجوه التي مرت، والكلمات التي تركت أثرا، والمواقف التي تعلمنا منها؛ وكأن العقل يسأل نفسه: كيف نجونا آخر مرة؟ وما الأدوات التي أنقذتنا حينها؟ ثم يعيد استخدام ما يراه صالحا للحاضر.

هذا الاستدعاء للماضي ليس هروبا من الواقع، بل استثمار في الخبرات السابقة؛ فالذكريات المؤلمة، قد تتحول مع الزمن لاحتياطات من الحكمة، تماما كما تتحول الخسائر السابقة لدروس المستقبل. وما نظنه عبئا نفسيا يكون في الحقيقة جزءا من الرصيد الذي يحمينا عند المنعطفات القادمة. كما أن نسبة التحمل في التأمين لا تعني أن يتحمل الإنسان كامل الخسارة وحده، فإن آليات الدفاع النفسي ليست بديلا دائما عن المواجهة أو العلاج أو طلب الدعم، إنها جسر نعبر به من المرحلة الحرجة، فإذا طال الإنكار، وأصبحت التبريرات أسلوب حياة، وتحول الهروب لعادة، فقد نفقد الحماية التي وجدت هذه الآليات من أجلها. كل إنسان يدفع قسطا من صبره، وجزءا من طمأنينته، ونسبة من احتماله، ليحافظ على استقرار نفسه واستمرار رحلته، وربما يكون النضج الحقيقي إدراكنا لقيمة ما ندفعه، واعترافنا بآلياتنا الداخلية، ومتى نحتاج المشاركة لتحمل الفاتورة النفسية.

لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من التأمين أن الحماية ليست إلغاء للمخاطر، بل إدارة حكيمة لها، وكذلك النفس البشرية؛ لا تبحث عن حياة بلا ألم، وإنما عن قدرة متجددة على احتواء الألم، وتحويله لخبرة، والخبرة لقوة، والقوة لسلام داخلي يجعلنا، رغم كل ما يمر بنا، قادرين على مواصلة الطريق بثقة واتزان بمشيئة الرحمن.

Yos123Omar@