الإدارة العامة.. تخصص يصنع التنمية
الخميس، ١٣ أغسطس ٢٠٢٦عند الحديث عن التنمية، ينصرف الذهن غالبا إلى الاقتصاد والاستثمار والمشروعات الكبرى، بينما تبقى الإدارة العامة في الظل، رغم أنها الأداة التي تحول الرؤى الوطنية إلى سياسات وبرامج ومشروعات وخدمات ونتائج ملموسة. فنجاح الدول لا يقاس بحجم ما تمتلكه من موارد فحسب، بل بقدرتها المؤسسية على توظيف تلك الموارد بكفاءة، وتحويلها إلى قيمة حقيقية تنعكس على حياة المواطنين وجودة معيشتهم.
ولهذا أصبحت الإدارة العامة أحد أهم مصادر القوة في الدول الحديثة. فالقطاع الخاص، مهما بلغت حيويته وكفاءته، لا يعمل بمعزل عن البيئة المؤسسية والتنموية التي تسهم الأجهزة الحكومية في تشكيلها من خلال التشريعات والتنظيمات، والبنية التحتية، والتعليم والصحة، والأمن والقضاء، والسياسات الاقتصادية. وكلما ارتفعت كفاءة المؤسسات الحكومية وتحسنت قدرتها على التخطيط والتنفيذ والتنسيق والمتابعة والتقييم، أصبحت البيئة الاقتصادية والاستثمارية أكثر جاذبية، وازدادت قدرة الاقتصاد على النمو والابتكار والمنافسة.
وتؤكد التجارب التنموية حول العالم أن التحولات الكبرى لم تكن نتاج قوى السوق وحدها، بل ارتبطت بسياسات عامة واضحة، ومؤسسات قوية، وأجهزة حكومية تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والتقييم والتعلم المستمر. وفي المقابل، يؤدي ضعف المؤسسات إلى اتساع الفجوة بين الإمكانات والنتائج، ويحد من أثر الإصلاحات مهما توافرت الموارد.
وفي المملكة العربية السعودية، شكل تطوير الإدارة الحكومية وتحقيق مستهدف «حكومة فاعلة» أحد المحاور الرئيسة لرؤية السعودية 2030، بوصفه ركيزة أساسية في مسيرة التحول الوطني. وخلال السنوات الماضية، حققت المملكة تقدما ملحوظا في رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز منظومة الحوكمة، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، وإعادة هيكلة عدد من الجهات والقطاعات الحكومية. وتعكس هذه الجهود انتقالا متدرجا نحو نموذج حكومي أكثر مرونة وكفاءة، يرتكز على النتائج، ويعزز جودة الخدمات العامة، ويعظم الأثر التنموي بما يواكب تطلعات التنمية الوطنية ومستهدفات الرؤية.
غير أن اتساع نطاق برامج التحول الوطني وتسارع وتيرة تنفيذها يرفعان مستوى الطلب على القدرات البشرية والمؤسسية في القطاع العام، ويضاعفان الحاجة إلى كوادر تمتلك المعارف والمهارات اللازمة لإدارة هذا القدر من التعقيد والتغير المتسارع. فالإدارة العامة تختلف في طبيعتها وأهدافها عن إدارة الأعمال، إذ تعمل المؤسسات العامة في فضاء أوسع تتداخل فيه الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستجابة السياسية للمتطلبات الاجتماعية والاستقرار والأمن الوطني. ولذلك، فإن الارتقاء بالأداء الحكومي يتطلب معارف وممارسات تخصصية تنبع من طبيعة العمل العام وخصوصيته، وتستند إلى فهم عميق لبيئة القطاع الحكومي وأهدافه ومتطلبات المساءلة فيه. وفي الوقت ذاته، لا يتعارض ذلك مع الاستفادة من الأدوات والممارسات الإدارية الحديثة التي أثبتت فاعليتها في القطاع الخاص، شريطة توظيفها بصورة انتقائية وتكييفها بما ينسجم مع سياق العمل الحكومي وأولوياته، ويعزز قدرته على تحقيق الكفاءة والفاعلية والأثر التنموي المستهدف.
وينطبق الأمر ذاته على الخصخصة والشراكات مع القطاع الخاص، التي تمثل أدوات مهمة لرفع الكفاءة وتحسين جودة الخدمات وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية. فالدولة الحديثة تتحول بصورة متزايدة من مقدم مباشر للخدمات إلى منظم وممكن ورقيب وضامن لكفاءة الأسواق وجودة الخدمات وعدالة الوصول إليها. وهذا التحول يجعل دور الدولة أكثر تخصصا وتعقيدا، ويزيد الحاجة إلى أجهزة حكومية تمتلك القدرة على التنظيم والتفاوض والتعاقد والرقابة وقياس الأداء وإدارة المخاطر.
ومن هنا، تتضح الأهمية الاستراتيجية لتطوير تخصص الإدارة العامة، بوصفه أحد المرتكزات الرئيسة في بناء القدرات الوطنية وتعزيز كفاءة القطاع الحكومي. فالمرحلة الراهنة تستدعي توفير برامج تعليمية نوعية لإعداد القيادات الحكومية، وإنشاء مراكز بحثية متقدمة تعنى بتحليل السياسات العامة، والتطوير التنظيمي، والحوكمة، وتقييم البرامج وقياس أثرها، فضلا عن استشراف التحديات والفرص المستقبلية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة أقسام الإدارة العامة وتطويرها من اقسام أكاديمية إلى «كليات للدراسات الحكومية»، تضم تحت مظلتها، إلى جانب الإدارة العامة، تخصصي الاقتصاد والعلوم السياسية. ومن شأن هذا التكامل المعرفي الإسهام في تعزيز القدرة على فهم القضايا العامة وتحليلها ومعالجتها، في ظل ما تتسم به من تعقيد وتشابك وتداخل بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والإدارية. كما يدعم هذا التوجه إعداد كوادر أكثر قدرة على صياغة السياسات العامة وتقييمها، من خلال تبني رؤى متعددة التخصصات تستجيب لمتطلبات التنمية وتحدياتها المتجددة والمتعددة.