تفاعل

الجينرا البدوية أولا.. في صناعة السينما السعودية

لا تعني "الجينرا" في السينما مجرد تصنيف للأفلام وكفى، بل تشير إلى عوالم سينمائية متكاملة، تمتلك شخصياتها وبيئتها ورموزها البصرية، وقواعدها السردية التي تجعل المشاهد يتعرف عليها منذ اللقطة الأولى. ومع الحراك غير المسبوق الذي تحظى به السينما السعودية، تبدو الفرصة سانحة لتأسيس جينرا سينمائية تنطلق من بيئتها المحلية بدلا من الاكتفاء باستدعاء عوالم الآخرين.

عوضا عن تحويل "عالم البادية" بما يحمله من شخصيات وقيم ورموز وفضاءات بصرية، إلى جينرا سينمائية سعودية تمتلك هويتها الخاصة، وتخاطب العالم بلغتها.

هذا المشروع الثقافي يستحق أن يكون ضمن أولويات السينما السعودية، بل على رأس أولوياتها في مرحلتها التأسيسية، بمشاركة "حراس الهوية الثقافية" الذين تطرقت إلى ذكرهم في مقالي السابق، ليسهموا في بناء عالم بمعايير سينمائية تحافظ أول ما تحافظ على أصالة الشخصية، وهذا ما يمنح الأجيال القادمة صورة بصرية راسخة.

ولترسيخ مفهوم الجينرا، ليس أقل من أن تتبنى السينما السعودية إنتاج عمل سينمائي واحد كل عام، أو حتى كل عامين، شريطة المحافظة على جودة الكتابة، والالتزام بهوية بصرية وسردية متماسكة، إلى ذلك تتراكم الأعمال حتى تصبح مألوفة لدى المشاهد، ويتوق لمشاهدتها كما يتوق لمشاهدة أي سلسلة سينمائية عالمية، ومع مرور الوقت تمتد هذه الأعمال إلى أبعد من مجرد شباك التذاكر، لتصل إلى المهرجانات والنقاشات النقدية، وتحشد جمهورا يتابع ويترقب، وتتحول من تجربة سينمائية إلى أحد مقومات ومفاصل القوة الناعمة السعودية.

الجدير بالذكر أن الإشكالية ليست فحسب في غياب الحكايات، بل في غياب مشروع يتعامل مع الهوية بوصفها استثمارا ثقافيا طويل الأمد. ويجب ألا تعني الدعوة إلى بناء جينرا بدوية اختزال الهوية السعودية في هذا الإطار؛ فالمملكة غنية بتنوع بيئاتها الساحلية والجبلية والحضرية والزراعية، فهي إن صح القول فسيفساء من البيئات والتضاريس ولكل منها حكاياتها التي تستحق أن تجد طريقها إلى الشاشة. غير أن عالم البادية يختزن ثراء بصريا وسرديا استثنائيا ضافيا، وهو ما يجعله مؤهلا بحق لجذب اهتمام الجمهور العالمي.

ختاما، السينما العالمية لا تتذكر الأفلام المنفردة بقدر ما تتذكر العوالم التي تتكرر حتى تصبح هوية. وحين تتفرد كل أمة بامتلاك عالمها السينمائي الخاص، يصبح غياب الجينرا البدوية عن صالات السينما سؤالا ثقافيا ملحا قبل أن يكون مجرد سؤالا فنيا.