دعوة المليك وحال الأمة: اقتلاع الفكر المتطرف
الخميس، ٦ مارس ٢٠١٤
الأزمة الكبرى التي يعانيها المسلمون في الأرض هي في الأصل أزمة فكرية، ولدت عشرات الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها من الأزمات التي تعصف بالأمة كلها، مع استثناءات طفيفة لا تكاد تذكر.
كيف حول المسلمون حياتهم إلى هذا الجحيم من الأزمات التي يعيشونها دولا وأقليات؟ كيف أصبحت حياتهم تناحر وتقاتل، وطائفية وعنصرية، وجهل، ومرض وفقر، بينما أمم الأرض من حولهم تقفز في فضاءات التقدم قفزا، وهم يرتعون في أنفاق التخلف والضياع.
إن توصيف خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - لحال الأمة بـ(الحرج)، يعطي الانطباع الحقيقي لواقع مؤلم ينطبق عليه المثل القائل ( لا ميت فينعى ولا حي فيرجى)، حيث بلغ وضع المسلمين من البؤس ما يحتم القيام بمراجعات فكرية عميقة وواسعة وصريحة تتناول الفهوم المغلوطة التي رسخت في أذهان كثير من المسلمين عن دينهم العظيم، هذا الدين الرائع الذي يفترض أنه أوصل معتنقيه إلى أعلى المراتب، بينما واقعهم يقول إنهم لم يفهموه حق الفهم الذي يحض على الحياة الكريمة، وعمارة الأرض والأنفس بالخير والحق والعدل والجمال.
لقد دعا المليك علماء الأمة ومفكريها إلى نشر ثقافة التسامح والاعتدال، وهي في الحقيقة جوهر الإسلام العظيم الذي يحض على مكارم الأخلاق واحترام الإنسانية كلها، وهذه الثقافة المأمولة لنشر التسامح لن تتحقق لمجرد الوعظ بها والنصح، ذلك أن هناك مفاهيم خاطئة كثيرة حول أمور جوهرية تتطلب مراجعات وتصحيح، وما لم يتحقق ذلك فلا أمل في تحسين واقع المسلمين.
إن من يتابع ويرصد حوادث القتل والتنكيل، التي ترتكب باسم الدين على يد شباب ينتسبون للإسلام سواء في سوريا أو غيرها من بقاع الأرض يدرك حجم التشوه الفكري الذي يعشش في أذهان هؤلاء المجرمين وعقولهم، ويعرف أن الحل ليس فقط في اجتثاث شخوصهم وتنظيماتهم الإرهابية بل لا بد من مراجعة الفكر الذي أفضى بهم إلى هذه الهوة السحيقة من الجهل، وهو جهل يعتمر عقولا كثيرة تمارس التحريض والعنصرية والطائفية وغيرها من المثالب التي تفضي إلى كوارث كبرى تشغل الأمة كلها عما استخلفها الله من أجله، ويستنفذ جهودها ومقدراتها وشبابها في أفعال عبثية لهدم الحياة وتظليمها في عيون البشر، أما تشويه صورة الإسلام البريء من كل تلك الأفعال والممارسات فحدث ولا حرج، ومن يرى مسلما يقتل إنسانا آخر بصورة بشعة مخزية وهو يقول (الله أكبر)، لأنه لا ينتمي لطائفته أو مذهبه أو دينه، سيظن أن هذا ما يأمر به الإسلام، وهو دين الرحمة لا العنف، والعدل لا الظلم، ولكن كيف تقنع العالم والمنتسبون للإسلام يرتكبون أفظع الجرائم باسمه.
الفكر المتطرف المتشدد هو السبب الرئيس لكل بلاوي الأمة الإسلامية، وما لم تتم مراجعته ونقضه فكرة فكرة، مع أنظمة رادعة لكل من يدعو للتطرف ويحض على الموت، فلا أمل في صلاح فكر ولا بناء الصورة العادلة للإسلام والمسلمين.
qenan.a@makkahnp.com