الرأي

حين يصبح كل مختلف (نرجسيا)


في أحد اللقاءات الحوارية التي شاهدتها مؤخرا، توقفت عند عبارة قالتها إحدى المتخصصات في اضطرابات الشخصية، مفادها أن كلمة «النرجسي» أصبحت من أكثر الكلمات تداولا في حياتنا، حتى كأنها تحولت إلى تفسير جاهز لكل علاقة فاشلة أو خلاف عائلي أو تجربة مؤلمة، أو حتى قرار إداري لم يعجبنا.

تأملت هذه الفكرة طويلا، ليس لأن النرجسية ليست موجودة، بل لأننا أصبحنا نصف بها أشخاصا أكثر مما نحاول فهمهم.

قبل سنوات، كانت هذه المصطلحات حاضرة في الكتب العلمية والعيادات النفسية، أما اليوم فقد أتجرأ وأقول إنها أصبحت جزءا من أحاديث المجالس ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي. يكفي أن يكون شخصا واثقا بنفسه، أو حازما في قراراته، أو مختلفا في طباعه، حتى يبادر أحدهم بالقول: هذا نرجسي. وكأننا اختصرنا تعقيد النفس البشرية في كلمة واحدة.

في أصلها العلمي، تشير النرجسية إلى نمط من السمات الشخصية قد يتسم بالشعور المبالغ فيه بالأهمية، والحاجة المستمرة إلى الإعجاب، وضعف التعاطف مع الآخرين، وصعوبة تقبل النقد، والميل إلى استغلال العلاقات لتحقيق المكاسب الشخصية. وقد تتطور هذه السمات، في حالات محددة، إلى اضطراب في الشخصية، لكن ذلك لا يمكن الجزم به إلا من خلال تقييم علمي يجريه مختصون، وليس من خلال تجربة شخصية أو مقطع قصير في وسائل التواصل.

وهنا تكمن المشكلة؛ فوجود بعض هذه السمات لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي. فكل إنسان قد يمر بلحظات يحب فيها التقدير، أو يبالغ في الدفاع عن نفسه، أو يرفض الاعتراف بخطئه. لكن الفرق بين سلوك عابر، ونمط ثابت يؤثر في جميع العلاقات، فرق كبير لا يجوز القفز عليه.

وما يقلقني أكثر ليس انتشار النرجسية بقدر ما يقلقني انتشار التشخيص. فقد أصبحنا، دون أن نشعر، نستبدل فهم السلوك بالحكم على الأشخاص. فإذا وجدنا مديرا لا يستمع كثيرا، قلنا إنه نرجسي. وإذا رأينا زميلا يفتخر بإنجازه، وصفناه بالنرجسية. وإذا انتهت علاقة زوجية أو صداقة، أصبح هذا الوصف أول تفسير يتبادر إلى الأذهان.

المفارقة أن كثيرا ممن يسارعون إلى تشخيص الآخرين، لا يدركون أن أول مظاهر النضج النفسي هو الاعتراف بحدود معرفتنا. فالتشخيص مسؤولية، وليس رأيا، كما أن الاختلاف لا يعد اضطرابا، والنقد لا يعني عداء، والثقة بالنفس ليست نرجسية.

لكن هل المشكلة دائما في الشخص؟ أم في السلوك؟ أم في العلاقة نفسها؟ أم في توقعاتنا نحن؟
هذه الأسئلة أكثر عدلا من إصدار تشخيص لا نملك أدواته.

وفي بيئات العمل تحديدا، قد يقود هذا التوسع في استخدام المصطلحات النفسية إلى نتائج عكسية. فبدلا من مناقشة القرار الإداري، أو تقييم أسلوب القيادة، أو معالجة الخلل التنظيمي، يتحول الحوار إلى تبادل للأوصاف النفسية، وكأن المشكلة تكمن في شخصية الفرد وحدها، لا في الأنظمة أو الثقافة المؤسسية أو طريقة إدارة الاختلاف.

ولعل الأجدر بنا أن نصف السلوك قبل أن نصف الإنسان. فنقول: هذا القرار افتقر إلى التعاطف، أو هذا الأسلوب اتسم بالاستعلاء، أو هذا التصرف حمل قدرا من الأنانية. أما إطلاق الأحكام على الأشخاص، فهو أمر يحتاج إلى علم، وإلى مسؤولية، وإلى قدر كبير من التواضع.

إن ازدياد الوعي بالصحة النفسية مكسب كبير لمجتمعاتنا، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا فقدنا الدقة العلمية. فالوعي الحقيقي لا يعني أن نحفظ أسماء الاضطرابات، بل أن نعرف متى نستخدمها، ومتى نصمت، ومتى نترك التشخيص لأهله. فليس كل من آلمنا نرجسيا، وليس كل من اختلف معنا مضطربا نفسيا. وبين الإنسان وسلوكه مساحة واسعة، لو أحسنا فهمها، لربما أصبحت علاقاتنا أكثر عدلا، وأقل قسوة، وأكثر إنسانية.