الطريق الآخر.. اختيارك أنت
الاثنين، ١٠ أغسطس ٢٠٢٦
كنت في إحدى الفعاليات حين انتهى المتحدث من كلمته، وساد المكان صمت قصير... لم أصفق مباشرة. ربما لأنني في تلك اللحظة كنت أراقب القاعة أكثر مما أراقب المنصة. بدأ شخص في الصفوف الأمامية بالتصفيق، التفتت إليه بعض الوجوه، ثم ارتفعت أيد أخرى، وفي ثوان امتلأ المكان بالصوت. صفقت.
لكن سؤالا صغيرا بقي معي بعد أن هدأ التصفيق: لو بقي الجميع صامتين، هل كنت سأصفق؟
لم يكن السؤال عن التصفيق وحده. أخذني إلى مواقف كثيرة في حياتنا، تلك التي نصل فيها إلى رأي لأننا فكرنا فيه، وتلك التي نصل إليها لأن الرأي كان حاضرا أمامنا بما يكفي.
وتذكرت موقفا مررت به خلال دراسة الدكتوراه.
في أحد مقررات الإعلام كان الأستاذ يعتمد على الفلسفة، وكانت اختباراته مختلفة عن الاختبارات المعتادة. لم تكن الأسئلة تبحث عن إجابة محفوظة، وإنما عن قدرة الطالب على فهم السؤال والدخول إليه من زاوية منطقية يستطيع الدفاع عنها.
في أحد الاختبارات، فتحت ورقة الأسئلة، فتوقفت أمام سؤال لم يكن في حساباتي. قرأته مرة، ثم أعدت قراءته. كان غامضا. وبدا أنني لست الوحيدة التي شعرت بذلك؛ فقد كان السؤال محل حديث بيني وبين زملائي، وبدأنا نبحث عن مدخل يمكن أن يقودنا إلى الإجابة.
ظهرت فكرة معينة، ثم أخذنا نقترب منها أكثر. كان هناك اتجاه بدأ يتشكل، ومن السهل جدا أن أذهب معه؛ فحين تجد من حولك يتجهون إلى الطريق نفسه، يصبح اختياره أكثر راحة. لكن شيئا داخلي لم يكن مطمئنا.
لم يكن يقينا يقول لي إنني على صواب، وإنما سؤال صغير ظل يلح علي: ماذا لو كان الأستاذ يريد منا أن نقرأ السؤال بطريقة مختلفة؟
فكرت في طبيعة المقرر، وفي طريقة الأستاذ، وفي صياغة السؤال نفسه.
وقلت لنفسي: لو كان المطلوب هو المدخل الذي وصلنا إليه بهذه السرعة، فلماذا اختار هذه الصياغة تحديدا؟
شعرت أن هناك شيئا آخر.
قررت أن أبحث عنه.
اخترت طريقا مختلفا تماما، وعدت إلى الفلسفة والمنطق، وبنيت إجابتي من زاوية أخرى، بينما اتجه زملائي إلى المدخل الذي اتفقنا عليه.
لم أكن أعرف وقتها إن كنت على صواب.
كنت فقط أعرف أنني لا أريد أن أكتب إجابة لمجرد أن الجميع رأى السؤال بالطريقة نفسها.
ثم جاءت النتيجة، حصلت على أعلى درجة في المقرر، ما شاء الله.
لكن الدرجة لم تكن أكثر ما بقي معي من ذلك الموقف.
الذي بقي هو تلك اللحظة التي سبقتها؛ اللحظة التي كان فيها رأي المجموعة واضحا، بينما كان رأيي مجرد احتمال صغير.
وبعد سنوات، وجدت نفسي في موقف مختلف تماما.
قاعة، متحدث، جمهور، وتصفيق بدأ من يد واحدة ثم انتقل إلى الجميع.
هذه المرة لم يكن هناك سؤال فلسفي غامض، ولا ورقة اختبار، ولا درجة تنتظرني.
ومع ذلك، كان هناك شيء مشترك: اتجاه يتشكل أمامي.
في الاختبار كان هناك طريق للإجابة بدأ يتفق عليه الجميع، وفي القاعة كان هناك اتجاه للتصفيق بدأ يتبعه الجميع.
وفي الحالتين، كان بإمكاني أن أذهب مع الاتجاه الأسهل.
وهنا فهمت شيئا لم أكن أراه بهذه الوضوح من قبل: نحن لا نحتاج دائما إلى شجاعة كبيرة كي نختلف، نحتاج أحيانا إلى لحظة انتباه فقط.
لحظة نتوقف فيها قبل أن نقول: نعم.
قبل أن نضغط زر الإعجاب.
قبل أن نكرر رأيا.
قبل أن نوافق في اجتماع.
وقبل أن نصفق.
نسأل أنفسنا: هل اقتنعت؟ أم أنني وجدت الجميع مقتنعين؟
فالإنسان بطبيعته يبحث عن الجماعة. وجود الآخرين يمنح القرار قدرا من الطمأنينة، ويجعل الطريق أقل غموضا. وحين نجد عدة أشخاص ينظرون إلى الشيء بالطريقة نفسها، نشعر أن رؤيتنا أصبحت أكثر ثباتا.
لكن كثرة السائرين في الطريق لا تعني دائما أنه الطريق الصحيح.
نرى ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية. مطعم مزدحم يبدو لنا أكثر جاذبية، ومنتج تتكرر التوصيات حوله يكتسب ثقة أسرع، ورأي نسمعه من أشخاص كثيرين يبدأ في اكتساب وزن إضافي داخلنا.
ومع المنصات الرقمية، أصبحت الجماعة أكبر من أي وقت مضى.
عدد المشاهدات، والإعجابات، والتعليقات، والانتشار، كلها إشارات تدخل إلى وعينا قبل أن نمنح الفكرة فرصتها الكاملة. وأحيانا نعرف عدد الذين أعجبوا بشيء قبل أن نعرف لماذا أعجبنا نحن به.
ومع الوقت، قد يحدث أمر أكثر دقة: نعتقد أننا نملك رأيا مستقلا، بينما يكون ما نملكه رأيا تكرر أمامنا كثيرا حتى أصبح مألوفا.
وهنا لا أعتقد أن الحل هو أن نخالف الجماعة دائما.
فالاختلاف لمجرد الاختلاف ليس استقلالا، كما أن الاتفاق مع الجميع ليس ضعفا.
الاستقلال الحقيقي أن نعرف لماذا اخترنا.
أن نستمع إلى الآخرين دون أن نتخلى عن حقنا في التفكير، وأن نسمح لرأيهم بتغيير رأينا إذا أقنعنا، وأن نحتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على التوقف عندما نشعر أن هناك زاوية أخرى تستحق النظر.
في العمل، قد يكون الشخص الأكثر قيمة في الاجتماع ليس أسرعهم موافقة، وإنما من يطرح السؤال الذي يجعل الجميع يعيدون النظر.
وفي حياتنا الشخصية، قد نكتشف أن بعض اختياراتنا لم تبدأ منا أصلا؛ مسارات دراسية أو مهنية، أو حتى تعريفات للنجاح ورثناها من المحيط، ثم اعتدنا عليها حتى أصبحت تبدو وكأنها اختياراتنا.
لذلك أصبحت أعود أحيانا إلى سؤال بسيط:
لو لم أعرف رأي الجميع، ماذا كنت سأرى أنا؟
لا يعني ذلك أن الإجابة التي سأصل إليها ستكون صحيحة دائما. فالاستقلال لا يمنحنا حصانة من الخطأ، لكنه يمنحنا شيئا أكثر أهمية: أن يكون الخطأ، إن حدث، نتيجة تفكيرنا نحن.
وربما لهذا أعود إلى الموقفين الآن وأراهما كدرس واحد.
في الاختبار كان أمامي سؤال، وفي القاعة كان أمامي تصفيق. وفي الحالتين كان الطريق الأسهل واضحا.
لكنني تعلمت أن التوقف قليلا قد يكشف طريقا آخر.
لم أتعلم أن أختار الطريق الآخر دائما.
تعلمت أن أتأكد أولا من أن الطريق الذي اخترته هو اختياري أنا.
فربما لا تكون أصعب لحظة في الحياة أن تجد طريقا مختلفا.
ربما الأصعب أن تقف وسط الطرق كلها، وتعرف أيها يشبهك.
layla636@
لكن سؤالا صغيرا بقي معي بعد أن هدأ التصفيق: لو بقي الجميع صامتين، هل كنت سأصفق؟
لم يكن السؤال عن التصفيق وحده. أخذني إلى مواقف كثيرة في حياتنا، تلك التي نصل فيها إلى رأي لأننا فكرنا فيه، وتلك التي نصل إليها لأن الرأي كان حاضرا أمامنا بما يكفي.
وتذكرت موقفا مررت به خلال دراسة الدكتوراه.
في أحد مقررات الإعلام كان الأستاذ يعتمد على الفلسفة، وكانت اختباراته مختلفة عن الاختبارات المعتادة. لم تكن الأسئلة تبحث عن إجابة محفوظة، وإنما عن قدرة الطالب على فهم السؤال والدخول إليه من زاوية منطقية يستطيع الدفاع عنها.
في أحد الاختبارات، فتحت ورقة الأسئلة، فتوقفت أمام سؤال لم يكن في حساباتي. قرأته مرة، ثم أعدت قراءته. كان غامضا. وبدا أنني لست الوحيدة التي شعرت بذلك؛ فقد كان السؤال محل حديث بيني وبين زملائي، وبدأنا نبحث عن مدخل يمكن أن يقودنا إلى الإجابة.
ظهرت فكرة معينة، ثم أخذنا نقترب منها أكثر. كان هناك اتجاه بدأ يتشكل، ومن السهل جدا أن أذهب معه؛ فحين تجد من حولك يتجهون إلى الطريق نفسه، يصبح اختياره أكثر راحة. لكن شيئا داخلي لم يكن مطمئنا.
لم يكن يقينا يقول لي إنني على صواب، وإنما سؤال صغير ظل يلح علي: ماذا لو كان الأستاذ يريد منا أن نقرأ السؤال بطريقة مختلفة؟
فكرت في طبيعة المقرر، وفي طريقة الأستاذ، وفي صياغة السؤال نفسه.
وقلت لنفسي: لو كان المطلوب هو المدخل الذي وصلنا إليه بهذه السرعة، فلماذا اختار هذه الصياغة تحديدا؟
شعرت أن هناك شيئا آخر.
قررت أن أبحث عنه.
اخترت طريقا مختلفا تماما، وعدت إلى الفلسفة والمنطق، وبنيت إجابتي من زاوية أخرى، بينما اتجه زملائي إلى المدخل الذي اتفقنا عليه.
لم أكن أعرف وقتها إن كنت على صواب.
كنت فقط أعرف أنني لا أريد أن أكتب إجابة لمجرد أن الجميع رأى السؤال بالطريقة نفسها.
ثم جاءت النتيجة، حصلت على أعلى درجة في المقرر، ما شاء الله.
لكن الدرجة لم تكن أكثر ما بقي معي من ذلك الموقف.
الذي بقي هو تلك اللحظة التي سبقتها؛ اللحظة التي كان فيها رأي المجموعة واضحا، بينما كان رأيي مجرد احتمال صغير.
وبعد سنوات، وجدت نفسي في موقف مختلف تماما.
قاعة، متحدث، جمهور، وتصفيق بدأ من يد واحدة ثم انتقل إلى الجميع.
هذه المرة لم يكن هناك سؤال فلسفي غامض، ولا ورقة اختبار، ولا درجة تنتظرني.
ومع ذلك، كان هناك شيء مشترك: اتجاه يتشكل أمامي.
في الاختبار كان هناك طريق للإجابة بدأ يتفق عليه الجميع، وفي القاعة كان هناك اتجاه للتصفيق بدأ يتبعه الجميع.
وفي الحالتين، كان بإمكاني أن أذهب مع الاتجاه الأسهل.
وهنا فهمت شيئا لم أكن أراه بهذه الوضوح من قبل: نحن لا نحتاج دائما إلى شجاعة كبيرة كي نختلف، نحتاج أحيانا إلى لحظة انتباه فقط.
لحظة نتوقف فيها قبل أن نقول: نعم.
قبل أن نضغط زر الإعجاب.
قبل أن نكرر رأيا.
قبل أن نوافق في اجتماع.
وقبل أن نصفق.
نسأل أنفسنا: هل اقتنعت؟ أم أنني وجدت الجميع مقتنعين؟
فالإنسان بطبيعته يبحث عن الجماعة. وجود الآخرين يمنح القرار قدرا من الطمأنينة، ويجعل الطريق أقل غموضا. وحين نجد عدة أشخاص ينظرون إلى الشيء بالطريقة نفسها، نشعر أن رؤيتنا أصبحت أكثر ثباتا.
لكن كثرة السائرين في الطريق لا تعني دائما أنه الطريق الصحيح.
نرى ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية. مطعم مزدحم يبدو لنا أكثر جاذبية، ومنتج تتكرر التوصيات حوله يكتسب ثقة أسرع، ورأي نسمعه من أشخاص كثيرين يبدأ في اكتساب وزن إضافي داخلنا.
ومع المنصات الرقمية، أصبحت الجماعة أكبر من أي وقت مضى.
عدد المشاهدات، والإعجابات، والتعليقات، والانتشار، كلها إشارات تدخل إلى وعينا قبل أن نمنح الفكرة فرصتها الكاملة. وأحيانا نعرف عدد الذين أعجبوا بشيء قبل أن نعرف لماذا أعجبنا نحن به.
ومع الوقت، قد يحدث أمر أكثر دقة: نعتقد أننا نملك رأيا مستقلا، بينما يكون ما نملكه رأيا تكرر أمامنا كثيرا حتى أصبح مألوفا.
وهنا لا أعتقد أن الحل هو أن نخالف الجماعة دائما.
فالاختلاف لمجرد الاختلاف ليس استقلالا، كما أن الاتفاق مع الجميع ليس ضعفا.
الاستقلال الحقيقي أن نعرف لماذا اخترنا.
أن نستمع إلى الآخرين دون أن نتخلى عن حقنا في التفكير، وأن نسمح لرأيهم بتغيير رأينا إذا أقنعنا، وأن نحتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على التوقف عندما نشعر أن هناك زاوية أخرى تستحق النظر.
في العمل، قد يكون الشخص الأكثر قيمة في الاجتماع ليس أسرعهم موافقة، وإنما من يطرح السؤال الذي يجعل الجميع يعيدون النظر.
وفي حياتنا الشخصية، قد نكتشف أن بعض اختياراتنا لم تبدأ منا أصلا؛ مسارات دراسية أو مهنية، أو حتى تعريفات للنجاح ورثناها من المحيط، ثم اعتدنا عليها حتى أصبحت تبدو وكأنها اختياراتنا.
لذلك أصبحت أعود أحيانا إلى سؤال بسيط:
لو لم أعرف رأي الجميع، ماذا كنت سأرى أنا؟
لا يعني ذلك أن الإجابة التي سأصل إليها ستكون صحيحة دائما. فالاستقلال لا يمنحنا حصانة من الخطأ، لكنه يمنحنا شيئا أكثر أهمية: أن يكون الخطأ، إن حدث، نتيجة تفكيرنا نحن.
وربما لهذا أعود إلى الموقفين الآن وأراهما كدرس واحد.
في الاختبار كان أمامي سؤال، وفي القاعة كان أمامي تصفيق. وفي الحالتين كان الطريق الأسهل واضحا.
لكنني تعلمت أن التوقف قليلا قد يكشف طريقا آخر.
لم أتعلم أن أختار الطريق الآخر دائما.
تعلمت أن أتأكد أولا من أن الطريق الذي اخترته هو اختياري أنا.
فربما لا تكون أصعب لحظة في الحياة أن تجد طريقا مختلفا.
ربما الأصعب أن تقف وسط الطرق كلها، وتعرف أيها يشبهك.
layla636@