الرأي

الفعاليات.. من موسم إلى تجربة يومية


أصبحت الفعاليات في المملكة العربية السعودية أحد أبرز محركات النشاط السياحي خلال السنوات الأخيرة، حيث ساهمت في جذب الزوار، وتنشيط المدن، وتعزيز الحراك الاقتصادي. غير أن هذا النجاح يطرح تساؤلا مهما: هل يمكن للفعاليات أن تتحول من نشاط موسمي إلى تجربة يومية مستمرة تدعم السياحة على مدار العام؟

من منظور السائح - وخاصة العائلة - لا يكفي وجود فعالية كبيرة في وقت محدد، بل الأهم هو توفر أنشطة مستمرة ومتجددة يمكن الاعتماد عليها في أي وقت. هذا ما تشير إليه تقارير UN World Tourism Organization، التي تؤكد أن استدامة الوجهات السياحية ترتبط بقدرتها على تقديم تجارب يومية، وليس أحداث موسمية فقط، بما يعزز استقرار الطلب السياحي.

في الواقع المحلي، يمكن ملاحظة أن كثيرا من الفعاليات تنظم ضمن مواسم محددة، مثل الصيف أو الشتاء، وتحقق نجاحا ملحوظا خلال فترة قصيرة. لكن مع انتهاء الموسم، تعود بعض الوجهات إلى حالة من الهدوء، مما يخلق فجوة في استمرارية التجربة. هذا النمط يجعل السياحة مرتبطة بتوقيت معين، بدل أن تكون خيارا متاحا طوال العام، ويحد من تنوع الخيارات المتاحة للزائر.

هذه الفجوة تؤثر بشكل مباشر على قرار العائلة، التي تبحث عن وجهة يمكن زيارتها في أي وقت دون الحاجة إلى انتظار موسم محدد. كما أنها تؤثر على مدة الإقامة، حيث يكتفي الزائر بزيارة قصيرة مرتبطة بالفعالية، دون وجود أسباب تدفعه للبقاء لفترة أطول أو تكرار الزيارة في أوقات مختلفة.

في المقابل، تقدم التجارب العالمية نموذجا مختلفا في إدارة الفعاليات. في Orlando، على سبيل المثال، لا تعتمد السياحة على حدث موسمي واحد، بل على منظومة متكاملة من الأنشطة اليومية، مثل المدن الترفيهية، والعروض المستمرة، والأنشطة التفاعلية. الزائر يجد دائما ما يمكنه القيام به، بغض النظر عن توقيت الزيارة، وهو ما يعزز جاذبية الوجهة.

هذا النموذج يوضح أن الفعاليات ليست هدفا بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء تجربة مستمرة. فبدل أن تكون الفعالية نقطة جذب مؤقتة، يجب أن تكون جزءا من منظومة أوسع تقدم محتوى يوميا ومتجددا يواكب احتياجات الزوار.

تحليل الواقع يشير إلى عدة أسباب وراء موسمية الفعاليات. أولها أن تنظيم الفعاليات الكبرى يتطلب تخطيطا وجهدا كبيرين، ما يجعلها تتركز في فترات محددة. ثانيها أن بعض الوجهات لا تمتلك بنية تحتية تدعم الأنشطة اليومية. وثالثها غياب نموذج تشغيلي يضمن استمرارية الفعاليات بشكل منتظم ومتوازن.

لكن هذه التحديات يمكن تحويلها إلى فرص من خلال إعادة التفكير في مفهوم الفعالية. الحل لا يكمن في زيادة عدد المواسم، بل في تحويل الفعاليات إلى برامج يومية. وهذا يتطلب العمل على عدة محاور.

أولا: تصميم فعاليات صغيرة ومتكررة يمكن تنظيمها بشكل يومي أو أسبوعي، مثل العروض الفنية، والأنشطة التفاعلية، والأسواق المحلية.

ثانيا: دمج الفعاليات مع المواقع السياحية، بحيث تصبح جزءا من تجربة المكان، وليست نشاطا منفصلا.

ثالثا: استخدام التقنيات الحديثة لتقديم تجارب رقمية وتفاعلية، تضيف بعدا جديدا للفعاليات.

رابعا: إشراك المجتمع المحلي في تنظيم الفعاليات، مما يعزز التنوع ويضمن الاستمرارية ويزيد من الارتباط بالمكان.

هذا التوجه يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تنويع الترفيه، وتحسين جودة الحياة، وزيادة جاذبية المدن. فالفعاليات المستمرة لا تعزز التجربة السياحية فقط، بل تسهم أيضا في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، وتعزيز الهوية الثقافية.

كما أن تحويل الفعاليات إلى تجربة يومية يساعد في تقليل الضغط على المواسم، وتوزيع الطلب على مدار العام، مما يدعم استدامة القطاع السياحي. وهذا يفتح المجال أمام العائلات لزيارة الوجهات في أوقات مختلفة، دون التقيد بجدول موسمي، ويزيد من مرونة التخطيط.

في المدى القريب، يمكن البدء بخطوات عملية، مثل تنظيم برامج يومية في المواقع السياحية، وتفعيل المساحات العامة، وتوفير جداول واضحة للأنشطة. هذه الإجراءات يمكن أن تحسن التجربة بشكل سريع، وتزيد من رضا الزوار، وتدعم نجاح الموسم السياحي.

أما في المدى البعيد، فيتطلب الأمر بناء منظومة متكاملة لإدارة الفعاليات، تعتمد على التخطيط المستمر، والتقنية، والشراكات، بحيث تصبح الفعالية جزءا من الحياة اليومية للمدينة، وليست حدثا استثنائيا، بل عنصر دائم في تجربة السائح.

في النهاية، يمكن القول إن نجاح الفعاليات لا يقاس بحجمها أو عدد زوارها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار والتجدد. وعندما تتحول الفعاليات من موسم إلى تجربة يومية، فإنها تسهم في بناء وجهات سياحية حيوية، قادرة على جذب الزوار في أي وقت، وتعزيز تنافسيتها.

لكن يبقى سؤال مهم: إذا كانت الفعاليات تسهم في تنشيط التجربة، فكيف يمكن ضمان أن تكون هذه التجربة متوازنة من حيث الجودة والتكلفة، بحيث يشعر السائح أن ما يدفعه يستحق ما يحصل عليه؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم: «السعر مقابل القيمة... هل التجربة تستحق؟».

EngWalid67@