اتفاقية مكة: التكييف القانوني للتحالف الدفاعي وأثره في الأمن الإقليمي
الاثنين، ١٠ أغسطس ٢٠٢٦تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لتتجاوز في دلالتها مجرد التعاون العسكري إلى بناء تصور جديد للأمن والردع الإقليمي. وقد أعلن عن الاتفاق في مكة في 7 أغسطس 2026، متضمنا مبدأ محوريا مفاده أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما عليها جميعا. ومع ذلك، لا تزال التفاصيل المنشورة لا تكشف بصورة كاملة آليات التنفيذ والقيادة والانتشار ونطاق المساعدة العسكرية، ولذلك فإن وصفها حاليا بأنها «ناتو إسلامي» يظل توصيفا سياسيا أكثر منه تكييفا مؤسسيا دقيقا.
ومن الناحية القانونية، فإن إنشاء تحالف دفاعي بين الدول الثلاث لا يحتاج إلى نص خاص في القانون الدولي يجيز لها إبرام مثل هذا الاتفاق؛ فالدول ذات السيادة تستطيع إنشاء التزامات تعاهدية فيما بينها، لكن مشروعية استخدام القوة عند وقوع الاعتداء تظل محكومة بميثاق الأمم المتحدة. ويأتي في مقدمة ذلك المادة 51 التي تقر الحق الطبيعي في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، مع التزام الدول بإبلاغ مجلس الأمن فورا بالتدابير المتخذة في إطار هذا الحق. كما أن المادة 102 تفرض تسجيل المعاهدات والاتفاقيات الدولية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة ونشرها، ولا يجوز الاحتجاج بالمعاهدة غير المسجلة أمام أجهزة الأمم المتحدة.
وبناء على ذلك، فإن الصورة القانونية المتوقعة لتطبيق الاتفاقية إذا تعرضت السعودية لهجوم مسلح تبدأ بثبوت وقوع الهجوم، فتكون المملكة الدولة المعتدى عليها، وتمارس حقها في الدفاع الفردي، ثم تطلب من تركيا وباكستان المساعدة في إطار الدفاع الجماعي. وهنا لا يكون تدخل الدولتين «حربا مستقلة» بموجب الاتفاقية، وإنما ممارسة لحق الدفاع الجماعي عن الدولة المعتدى عليها.
وتكمن الأهمية الجيوسياسية للاتفاقية في تركيبة الدول الثلاث؛ فالقوة هنا ليست متماثلة وإنما متكاملة. السعودية تمثل مركز الثقل الخليجي والعربي والإسلامي، بما تملكه من موقع جغرافي واقتصادي وأهمية استراتيجية في أمن الطاقة والممرات البحرية. وتمثل تركيا قوة عسكرية وتكنولوجية ذات امتداد إلى شرق المتوسط والبحر الأسود وعضوية في الناتو، بينما تضيف باكستان عمقا عسكريا وجغرافيا باتجاه جنوب آسيا والمحيط الهندي. ومن ثم فإن المثلث لا يحصر الأمن السعودي في الخليج، بل يربطه بمجالات استراتيجية أوسع، وهو ما يجعل الاتفاقية ذات قيمة ردعية تتجاوز حدود الدول الثلاث.
والأهم أن الاتفاقية جاءت في بيئة إقليمية تتداخل فيها إيران وإسرائيل وأمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة والطاقة والصراعات المسلحة؛ ولذلك يصعب فصلها عن التحولات الجارية في ميزان القوى. ومع ذلك، فإن كونها اتفاقية دفاعية معلنة لا يعني أنها موجهة قانونا ضد دولة بعينها، بل إن قيمتها الاستراتيجية تكمن في رفع تكلفة أي هجوم محتمل وبناء قدرة أكبر على الردع الجماعي. ومن هنا يمكن القول إن اتفاقية مكة تمثل انتقالا من التعاون الدفاعي إلى تصور أوسع لتكون إحدى الأدوات التي تعيد تشكيل ميزان الردع الإقليمي.
expert_55@