الصحة رأس مال الحياة
الأحد، ٩ أغسطس ٢٠٢٦يحرص الناس على حماية أموالهم، وتنمية استثماراتهم، والمحافظة على ممتلكاتهم، ويعدون ذلك من حسن التدبير، لكن كثيرا منهم يغفل عن أعظم رأس مال يملكه، وهو صحته؛ الوعاء الذي يحمل رسالته في الحياة، والوسيلة التي تنجز بها الأعمال، والجسر الذي تعبر عليه الطموحات إلى واقعها.
كل رسالة عظيمة تحتاج إلى زمن، والزمن لا يصنعه الفكر وحده، بل يحتاج إلى جسد قادر على مواصلة السير؛ ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض أصحاب الرسالات أن الإرهاق المستمر دليل على الإخلاص، وأن إهمال الراحة نوع من التضحية، وأن تأجيل العناية بالصحة ثمن لا بد من دفعه للنجاح؛ وينسون في زحمة المشاغل أن أداء الواجبات الحياتية على أحسن وجه يحتاج إلى نفس طويل، والنفس الطويل يحتاج إلى جسد يجد من صاحبه من العناية بقدر ما يجد الفكر من الاهتمام، لئلا يكتشفوا مع مرور السنوات أن ما أهملوه بالأمس أصبح اليوم هو العائق الأكبر أمام استمرار عطائهم، ولا أقصد هنا أن ينشغل الإنسان بجسده حتى يصبح المحور الوحيد لحياته، وإنما أن يدرك أن لكل رسالة وعاء، فإذا ضعف الوعاء تعثر ما يحمله، مهما كانت قيمة ما فيه؛ فالمحافظة على الصحة ليست انصرافا عن الواجبات، بل هي من تمام القيام بها، كما أنها ليست ترفا، بل صورة من صور حسن إدارة الأمانة.
من الغريب أن كثيرا من الناس لا يعرفون الطبيب إلا بعد أن يمرضوا، وكأن مهمته علاج المرض فقط، مع أن من أعظم مقاصد الطب المحافظة على الصحة قبل أن تضيع؛ فلا ينبغي لنا أن نجعل المرض أول من يذكرنا بقيمة العافية؛ فالفحص الدوري، والاستشارة الوقائية، وتصحيح العادات الصحية في وقت مبكر، ليست دليل خوف من المرض، بل دليل وعي بقيمة الصحة، كما أن الوقاية أقل كلفة من العلاج، والعلاج أيسر قبل استفحال المرض، وكما يحرص الإنسان على صيانة ما يملك قبل أن يتعطل، فمن الحكمة أيضا أن يجعل النوم المبكر والكافي عادة لا استثناء، وأن يجعل الحركة جزءا من يومه لا أمرا مؤجلا، وأن يعتدل في غذائه قبل أن يفرض المرض عليه ما لم يختره بإرادته، وأن يراجع صحته قبل أن تجبره الشكوى على مراجعتها، والعاقل لا ينتظر الأعطال الكبرى حتى يبدأ بالصيانة، بل يحافظ على أسباب القوة قبل أن يفتقدها.
ختاما.. النجاح لا يقاس بما ينجزه الإنسان في سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، وإنما بقدرته على مواصلة العطاء لسنوات طويلة دون أن يستهلك نفسه، وبتذكر أن كثيرا من الهمم انطلقت بقوة ثم انطفأت مبكرا، لا لقلة الإخلاص، ولكن لأن أصحابها لم يمنحوا أجسادهم ما تستحقه من رعاية وعناية، ولم يدركوا أن استمرار الرسالة مرتبط باستمرار القدرة على حملها؛ ومهم جدا أن يراجع الإنسان نفسه ويسألها: هل أنا أتعامل مع صحتي على أنها شأن شخصي، أم على أنها أمانة تتعلق بكل من ينتفع بعلمي، أو عملي، أو مسؤوليتي؟ وعندما تتغير زاوية النظر، ستتحول العناية بالصحة من عادة حسنة إلى واجب، ومن اهتمام بالنفس إلى وفاء بالرسالة، وإلى قناعة بأن استمرار العطاء مرتبط بالضرورة باستمرار القدرة على حمل الأعباء، ومؤكد أن الحفاظ على العافية هو الشكل الأصدق للوفاء بالرسالة تجاه الذات والآخرين، وصدق الله العظيم: {بل الإنسان على نفسه بصيرة}، وفي الحديث الشريف «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية».