الرأي

البيوت التي نسكنها من منظور فلسفي وعاطفي

المنازل ليست أسقفا نحتمي تحت ظلها ولا آرائك نستلقي عليها أو سجادا ملقى على الأرض يبتلع أصواتنا أو غرفا نتقاسمها، إنها أكبر من ذلك بكثير، إنها الانعكاس غير المرئي لمشاعرنا ولأفكارنا ولأذواقنا، ومستودع أرزاقنا، إنها مستراحنا ومحط رحالنا.

يقول أحد الشعراء عنها:

إذا دخلت إلى الديار رأيتها

أمنا يبدد خوفي المجهولا

لله در البيت كم من ملجأ

يأوي إليه المرتجى مقبولا

البيت هو المركز الأول للتوازن والأمان والحب والهوية والذاكرة، وهناك مثل يعزز هذا المنظور فيقول "البيت مكان القلب" بمعنى أنه المكان الذي ينبض القلب فيه، بل إن أحد الفلاسفة يعمق هذه الرؤية فيقول "المنزل امتداد الشخصية" فحقيقة الشخص الحقيقية تظهر وتتجلى في المنزل، فالهوايات والأذواق وإعداد الطعام وتناوله، والحديث وارتفاع الصوت والملبس كل ذلك يكون حقيقيا وصدقا دون تزييف أو نقد داخل المنزل.

ولكن السؤال المهم: كم من الوقت نقضي بالمنزل بعد الانتهاء من مهامنا الوظيفية؟ الإجابة بصدق ترتكز على مدى بقائك بالمنزل لاستقبال ضيوفك ومؤانسة أطفالك وللتعبد والقراءة وصنع الطعام وإعداد القهوة، جميعها تؤكد على امتلائك الحقيقي من الداخل، فالمنزل كالروح، إذا هذبتها وجعلتها مؤثثة بالحب والدفء تنعكس إيجابيا على الجسد من الخارج ليشع جمالا وبهاء، وفي ذلك تقول سوزان كلايتون عالمة نفسية وبيئية "البيت يعد جزءا من امتداد النفس وتعريف الذات".

كما أن الدراسات النفسية والفلسفية تؤكد أن الحيز وعناصره لهما تأثير على النفس بغض النظر عن عنصر الفخامة والتضخيم للمنازل، فتنسيق وتهذيب العناصر الأربعة التي تعتبر حقا مشروعا لكل منزل وهي: "المساحة، والضوء، والمواد والأثاث، وطلاء الجدران" قادران على أن يعطيا المنزل بعدا عاطفيا وفلسفيا.

وفي دراسة تم نشرها على BBC ضمت 165 من العائلات لدراسة مدى تأثير المنزل على علاقة الشخص بالمكان، الغالبية أكدوا على أن توزيع المساحات داخل المنزل كان له تأثير على "الاستجابة الفعالة داخل الأسرة، والتعبير العاطفي، والقبول، وصناعة القرار الجيد".

وللنساء دور مضاعف في إعطاء صبغة حنونة للمنزل، فالنساء الأنيقات تجدهن ربات البيوت الأكثر وعيا بغض النظر عن مهامهن الاجتماعية والوظيفية، فهن أكثر إبداعا، يعطينك شعورا مرهفا بأن النظام والعطف والدفء أمور تجري بالمنزل من تلقاء نفسها، وبأن الراحة لا تحتاج لمزيد من الأشياء الباهظة، وبأن الورد والنباتات المنزلية إكسسوارات مميزة، وعنايتهن بالمنزل هي شيء بسيط وروتيني ودائم دون شكوى أو أنين، تجدهن محبات للنظافة والهدوء وواسعات القلب.

كل هذا لا يعني بأن الفوضى ليست مقبولة أو أنها كارثية، فنحن لسنا أسرى لهذا المنزل، فوجود الأطفال يلون البيت بأصباغ فاقعة وجميلة، كما أن الأمر بسيط، فتنظيم القوانين دون إهمال مفرط قادر على إيجاد توازن بين الكبار والصغار داخل المنزل، وهناك ثلاثة عناصر تشعرك بأن البيت بيتا وهي:

- شعورك الصادق بأنك أنت كما أنت على طبيعتك دون نقد أو سخرية.

- حين تشتاق لمنزلك وتشعر بالراحة التامة فيه دون قلق أو خوف.

- حين يكون لك رأي وصوت داخل المنزل.

وحتى لا تصبح منازلنا عاجزة عن استحضار أوقات السعادة أو متاحف للأشياء لا أكثر، كان واجبنا تهميش الاستراحات والملاحق، وأيضا التقليل من الذهاب للمطاعم والمقاهي، فمنظومة البيت السعيد تصنع بعناية نفسية وفكرية، إنها البديل الحقيقي للبيوت الكاملة والجامدة التي قد تهجر، البيت هو ملاذك الآمن في صخب الحياة وكل زاوية فيه تحمل قصة لا تنسى. إنه حضن الذاكرة والمعنى الحقيقي للإنسان لذلك لا يمكن إهماله أو الانفصال عنه.