الرأي

هل "الأمعاء" سر السعادة؟

منذ عقود طويلة كان الاعتقاد السائد أن الدماغ وحده هو المسؤول عن المشاعر والسعادة والحالة النفسية، ولكن مع مرور الزمن قلب العلم هذه المفاهيم رأسا على عقب، ففي السنوات الأخيرة اتجهت أنظار الباحثين إلى عضو آخر ظل يعمل بصمت داخل أجسامنا لآلاف السنين، وهو "الأمعاء"، إذ تعمقوا في دراسة العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ، ليكتشفوا أن ما يحدث داخل الأمعاء قد ينعكس بشكل مباشر على مزاج الإنسان ومشاعره وحتى نظرته للحياة.

ومنذ ذلك الوقت لم يعد الحديث عن الأمعاء مقتصرا على الهضم والتغذية فقط، بل أصبح محورا رئيسيا في أبحاث الصحة النفسية والسعادة، بعدما كشفت الدراسات الحديثة أن تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخلها تتواصل باستمرار مع الدماغ عبر شبكة معقدة من الإشارات العصبية والهرمونية والمناعية، وهذا التواصل المستمر جعل العلماء يصفون الأمعاء بأنها "مركز خفي للمشاعر"، بل إن بعضهم يرى أن الحفاظ على صحة الأمعاء قد يكون أحد أكثر الطرق فاعلية لتعزيز الشعور بالراحة النفسية وجودة الحياة.

ومع تزايد الأدلة العلمية عاما بعد عام، يظل السؤال هنا: هل تؤثر الأمعاء في السعادة؟ بل إلى أي مدى يمكن لصحة الأمعاء أن ترسم ملامح مزاجنا وصحتنا النفسية ومستوى سعادتنا اليومية؟

الجواب وحسب ما توصل إليه العلماء في أبحاثهم ودراساتهم أن الأمعاء تحتوي على ملايين الخلايا العصبية التي تتواصل باستمرار مع الدماغ، كما أنها تضم تريليونات الكائنات الدقيقة النافعة المعروفة باسم "الميكروبيوم المعوي"، والتي تؤدي دورا محوريا في تنظيم العديد من الوظائف الحيوية المرتبطة بالمزاج والسلوك والصحة النفسية، كما ارتبطت السعادة بالأمعاء بسبب الاكتشافات العلمية التي أظهرت وجود علاقة وثيقة بين صحة الجهاز الهضمي والحالة النفسية، فالأمعاء تسهم في إنتاج عدد من المواد الكيميائية العصبية المهمة، أبرزها السيروتونين، الذي يعرف شعبيا باسم "هرمون السعادة"، فيما تشير الدراسات إلى أن الجزء الأكبر من السيروتونين في الجسم ينتج داخل الجهاز الهضمي، ما يجعل صحة الأمعاء عاملا مؤثرا في التوازن النفسي والشعور بالراحة والرضا.

ولكشف المزيد عن علاقة الأمعاء بصحة الجسم، شهد عام 2025 نشر مجموعة من الدراسات المهمة التي عززت فهم العلاقة بين الأمعاء والصحة النفسية، فقد نشرت مجلة Molecular Neurobiology مراجعة علمية واسعة أكدت أن الميكروبيوم المعوي يؤثر بشكل مباشر في تطور الدماغ والوظائف العصبية والصحة النفسية من خلال التواصل المستمر بين الأمعاء والجهاز العصبي المركزي، وفي دراسة أخرى نشرتها مجلة Translational Psychiatry عام 2025 أيضا وجد الباحثون اختلافات واضحة في تركيبة البكتيريا المعوية لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب مقارنة بالأصحاء، مع انخفاض التنوع البكتيري ووجود تغيرات مرتبطة بزيادة الالتهابات وشدة الأعراض النفسية، وبجانب ما سبق أظهرت دراسة نشرت في Journal of Affective Disorders، أن الأشخاص الذين يعانون أعراضا اكتئابية يمتلكون مستويات أقل من البكتيريا المنتجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي مركبات تلعب دورا مهما في حماية الدماغ وتقليل الالتهابات ودعم التوازن العصبي.

وانطلاقا من كل ما تم التطرق إليه، قد يتساءل البعض: ما هي المهمة الحقيقية للأمعاء؟
وهنا أقول: رغم شهرتها الحديثة في مجال الصحة النفسية، تبقى الوظيفة الأساسية للأمعاء هي هضم الطعام وامتصاص المغذيات والماء والأملاح اللازمة للجسم، كما تمثل خط الدفاع الأول ضد العديد من الميكروبات الضارة، إذ يحتوي جدار الأمعاء على جزء كبير من خلايا الجهاز المناعي، كما تؤدي الأمعاء دورا مهما في تصنيع بعض الفيتامينات، وتنظيم عمليات الأيض، والمحافظة على توازن البكتيريا النافعة، وإنتاج العديد من المركبات الكيميائية التي تؤثر في نشاط الدماغ والمناعة والنوم والمزاج، لذلك فإن أي اضطراب مزمن في صحة الأمعاء قد ينعكس على جوانب متعددة من صحة الإنسان الجسدية والنفسية.

ومن أجل أمعاء سعيدة ومزاج أفضل، هناك بعض الوصايا الصحية التي يجب العمل بها وهي: الحرص على الإكثار من تناول الخضراوات والفواكه والأطعمة الغنية بالألياف، والحرص على إدخال الأطعمة المخمرة مثل الزبادي الطبيعي والأغذية الغنية بالبكتيريا النافعة ضمن النظام الغذائي، التقليل من الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات عالية السكر، الحرص على ممارسة النشاط البدني بانتظام لدعم تنوع البكتيريا النافعة، تجنب السهر وضرورة النوم لساعات منتظمة وكافية يوميا، والتحكم في التوتر والضغوط النفسية، الحرص على ممارسة الهوايات المحببة، تجنب استخدام المضادات الحيوية دون حاجة طبية أو وصفة مختصة، والمحافظة على شرب كميات كافية من الماء يوميا.

الخلاصة: في ضوء الأدلة العلمية المتزايدة، بات واضحا أن العناية بالأمعاء لا تنعكس فقط على صحة الجهاز الهضمي، بل تمتد آثارها إلى المزاج والطاقة والصحة النفسية وجودة الحياة بشكل عام، ما يجعل الأمعاء بالفعل أحد أسرار السعادة التي تستحق اهتماما أكبر في حياتنا اليومية.