تفاعل

العشا اليوم عندي

التقيت بصديقٍ بعد غياب في مناسبة عامة بمدينته، وما إن صافحني بحماس حتى قال: اليوم العشا عندي.

وبينما كنت أتهيأ للاعتذار - كما هو المتعارف - جاءه رجل آخر وانشغلا بالحديث.

فآثرت الانتظار احتراما له حتى أعتذر لاحقا.
تعجبني المجاملات حين تأتي بقدرها وضمن المستطاع ودون مبالغة ولا تجاوز للرغبة الصادقة؛ فمن يلح عليك بالجلوس وهو في داخله لا يريد ذلك هي مبالغة غير محمودة.

يشبه ذلك أصحاب المحلات الذين يقولون لك كلما هممت بالدفع "خل علينا"، ولو خليت عليهم لم يخلوك ولجروا وراءك.

وأذكر في بدايات المراهقة أنني عدت من المدرسة مع زميل لي، فقلت له مجاملة: تفضل معي.

نظر إلى ساعته وقال: اممم لدي وقت، حسنا سآتي معك! عندها ارتبكت وتلعثمت وتبلكمت وتبرطمت وتبركمت "الكلمة الأخيرة لا أصل لها"، وصعد معي إلى الشقة وأدخلته المجلس "غير الجاهز"، وتفاجأ أهلي بقدومه، وقامت أمي - رحمها الله - بتجهيز الضيافة بهدوء، فظننت أنني نجوت، فلما غادر ابتسمت في وجهي ابتسامة صفراء، ثم قرصتني في مكان مؤلم وحساس، ومن يومها تعلمت ألا أدعو أحدا إن لم أكن مستعدا لذلك.

وذات مرة - في لحظة اندفاع - أردت مجاملة صديقة بهية بعد أمسية ثقافية، فقلت لها: أعجبتني مداخلتك. فقالت: ما الذي أعجبك فيها؟ قلت: كلها.
قالت: أعطني مثالا.
عندها بهت ولم أجد جوابا وعملت نفسي ميت. وتعلمت الدرس لكني لم أطبقه حتى اللحظة.
قيل لحكيم: ما رأيك في كثرة المجاملات بين الناس؟
قال: المجاملة مثل الملح.. إن زادت أفسدت الطبخة، وإن نقصت صارت بلا طعم، وإن جاءت من شخص لا يطبخ أصلا، فهذه مصيبة أخرى.
ثم إن صديقي بعد أن انتهى من حديثه مع الرجل، تقدم نحوي وقال "يلا يا أمين، نشوفك على خير"
وأنت من أهل الخير.. لكن لحظة لحظة.. والعشا؟