ما وراء الرواشين.. قيم صنعت رجالا
الخميس، ٦ أغسطس ٢٠٢٦تكثر في الفترة الأخيرة المبادرات والدعوات إلى الاهتمام بالتراث العمراني لمكة المكرمة وتوثيق معالمها التاريخية، بالإضافة إلى صدور كتب تهتم بالأكلات المكية والألعاب الشعبية فيها، وكذلك صدور كتب عن حارات مكة المكرمة وأهلها الكرام. وكل ذلك، بحد ذاته، أمر مهم في توثيق تاريخ مكة المكرمة وتراثها.
ولكن ما يغفل عنه الكثير هو إعادة إحياء القيم المكية، وتذكير الأجيال الجديدة بما كانت عليه أخلاق أبناء الحارة ورجالها. فلم تكن الحارة المكية يوما بيوتا من أحجار، ورواشين من أخشاب، وسقوفا من شجر القندل، بل كانت روحا نابضة، وقصصا ناطقة، ومواقف تربت عليها أجيال.
وهنا نورد قصة قد تبدو بمقياس هذا الزمن غير قابلة للتصديق، ولكنها بمقياس ذلك الزمن كانت من الشيم والمروءة ومواقف الرجال. وقد حدثت هذه القصة في مكة المكرمة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وتجسدت فيها معاني المروءة والنخوة، وكان بطلها عمدة حارة الباب الشيخ عبدالله قطش - رحمه الله -. وقد أوردها الغزاوي في شذراته تحت عنوان (لا تقول ما شفتني) «سمعت هذه القصة من المعمرين، وقد حدثت في أوائل القرن الرابع عشر الهجري بمكة المكرمة: وتتلخص في أن الشيخ عبد الله قطش كان من أثرياء الناس ومن أهل محلة الباب. وكان له رفاق كثيرون يستخدمهم في مصانع النورة العائدة له، ويسكن في داره وسط المحلة، وله مركاز يجلس فيه لاستقبال زبائنه وبيع نورته ورخامه أمام منزله... صباح مساء... قالوا: وذات صباح مر به أحد معارفه من أهل الحارة، وهو مكتف والأتراك يسوقونه من المحكمة إلى السجن أو العكس... وكان متهما بالقتل أو قاتلا... ووجبت عليه الدية... فصاح به: يا بو صالح: لا تقول ما شفتني فأثار نخوته ومروءته وشفقته، فنفض يده من كل ما كان يمارسه من الأعمال حالا وانطلق إلى البلد يبحث عن دلال العقارات. فوجده وأمره أن يبيع الدار سكناه وهي تضم أفراد عائلته وأطفاله... لعدم توافر الدراهم لديه حينئذ... وبالفعل لم تمض ساعات حتى أتاه بالثمن مبخوسا.. فأخذه وذهب إلى أهل (المقتول) وتراضى معهم على دفع الدية وسلمهم إياها فورا وعاد يحمل معه العفو والتنازل وقدمه إلى ذوي الشأن وفك رقبة صاحبه من القصاص وفقد دار سكناه. وسكن في دار سواها بالأجرة وما تزال الدار المذكورة قائمة في واجهة المحلة حتى اليوم ومعروفة بهذه المكرمة يتحدث بها الناس حتى الآن».
هذه قصة واحدة من مواقف كثيرة لا تزال محفوظة في ذاكرة الرجال، وفي كتب التراجم والتاريخ المكي، ومنها كتاب «أعلام الحجاز» لمؤلفه محمد علي مغربي - رحمه الله -، وهي قصص ومواقف نحتاج إلى إبرازها وروايتها لأبنائنا؛ لتكون لهم دروسا عملية تغرس فيهم معاني المروءة والنخوة والوفاء.
فحفظ تراث مكة المكرمة لا يكتمل بتوثيق شواهدها التاريخية ومعالمها العمرانية فحسب، بل بحفظ سيرة رجالها وقيمهم ومواقفهم النبيلة؛ فالمعالم تحفظ الذاكرة البصرية، أما الأخلاق والمروءة فتخلدان روح مكة المكرمة التي صنعت الإنسان قبل المكان، لتبقى هويتها حية في الذاكرة، ومصدر إلهام ودروس للأجيال.
makkawicom@