الرأي

هل فقدنا الإنسان الحكيم؟


في زمن تسابق الأحداث، وتداخل العلاقات، واختلاط الحابل بالنابل الذي يغلب فيه الانفعال على التأمل، يحضر التساؤل: هل فقدنا الإنسان الحكيم في حياتنا؟ وأين ذلك الرجل الرشيد وتلك المرأة الواعية اللذان يتم الرجوع إليهما عند اشتداد الخلاف، طلبا للإصلاح، والثقة بحسن الرأي، وسلامة المقصد؟

الحكيم ليس لقبا يمنحه العمر والمنصب، وليس الشيب ولا الصوت الأغلب؛ بل شخصية تصف ذلك الرجل الذي تتجلى فيه رجاحة العقل، واتزان القول والفعل، وعدالة الموقف، وحسن التصرف، لا يستعجل في حكمه، ولا يقدم مصلحته ولا ينتصر لموقفه ونفسه؛ كذلك هي الحكيمة تلك المرأة التي تجمع ولا تفرق، وتتأنى ولا تستبق وتبني جسور التفاهم قبل أن تتفاقم المشاكل؛ وتدرك أن الكلمة الطيبة كالماء تروي العطش وتبدد الجفاء.

في حياتنا الأسرية والعائلية، وبين الصداقات، وفي الاجتماعات، لا تخلو المجالس من اختلافات قد تتطور لخلافات، ومن خلال تأملي للمشهد العام، يبدو أن كثيرا منها يعود لسببين.

الأول: التدخل فيما لا يعنينا وتجاوز حدودنا على غيرنا، فكم من علاقة فسدت بسبب كلمة لم نحسن قولها، أو رأي لم يتم طلبه منا، أو تدخل في شأن ليس لنا به شأن.

أما السبب الثاني: عدم احترام الذات، وبالتالي انعدام احترام الآخرين، فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه، يضبط انفعالاته، ويحترم حدوده، ويكون أجدر على احترام حقوق غيره.

أما حين يغيب الوعي، تتحول العلاقات لساحات من التنافس والخصومات، ويصبح الحوار وسيلة للانتقام بدل أن يكون طريقا للالتزام.

وضع لنا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قاعدة أخلاقية عظيمة حين قال «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؛ هذا الترك المذكور في الحديث ليس دعوة للانغلاق، بل لاحترام الخصوصية، بضبط اللسان، وتقنين السلوك وإدراك الحدود.

حين تقع النزاعات، تبرز الحاجة لتلك الشخصية الحكيمة؛ التي تحضر وقت الحاجة تمتلك البصيرة والرؤية المستنيرة، تجمع بين الإنصاف والاعتراف، تستمع أكثر مما تتحدث، وتصلح دون أن تتحيز.

يبدو أن الشخصية الحكيمة اليوم نادرة الحضور، بعدما اختلطت الأصوات، وتداخلت الأدوار أصبحت العلاقة عكسية بين الحكمة والخبرة، فكم نرى بعض كبار الأعمار من يفتقدون لأخذ القرار، ومن ننتظر منهم الإصلاح يزعزعون الاستقرار.

مع ذلك، فإن الحكمة لا تزال موجودة، تبحث عمن يبحث عنها، وتظهر في المواقف الصادقة، وفي النفوس التي تؤمن بأن الإصلاح كرامة، وأن الكلمة أمانة، وأن حفظ العلاقات صيانة أولى بكثير من كسب الجدال وكثرة القيل والقال.

علاقاتنا اليوم بحاجة لمن يتحلون بالحكمة؛ ويعيدون لعلاقاتنا البينية قيمتها الأصلية؛ فالحكمة ليست تنظيرا وشعارات ولا تعبيرا وكلمات تقوم على المجاملات الباهتة والوجوه البائسة والاحتقانات الغائرة والقلوب المتنافرة.
الحكمة ثلاثية التكوين؛ تبدأ بنية صادقة، ورؤية نافذة، ومشاعر إنسانية واثقة؛ متى ما اكتملت أضلاعها تحقق مرادها.

Yos123Omar@