الرأي

استردوا لقب «إعلامي» ممن ينتحلونه (تحليل وحلول)


في عام 2015، جلس رجل في عيادة بوسط القاهرة، منتحلا صفة «أستاذ جامعي» ورئيس لقسم جراحة القلب. كان يفحص المرضى بمصطلحات طبية دقيقة ويتقاضى أجورا باهظة، واستمر على هذا الحال سبع سنوات كاملة، حتى انكشفت حيلته عام 2022 بأنه لم يدرس الطب قط، بل كان مفصولا من الجامعة، ليكتشف أن ما امتلكه كان «المظهر» لا «المضمون»، وانتهى به الأمر محكوما بالسجن عشر سنوات.

صدم الرأي العام حينها من قصة «الطبيب المزيف»، لكن السؤال الأهم: لماذا نستنكر انتحال المهن في الطب، بينما نتغاضى عنه في الفكر والرأي وبناء ثقافة الإنسان؟ صحيح أن الألقاب الوهمية في هذا المجال لا تقتل جسدا، لكنها تصنع وعيا اجتماعيا مشوها، وهو ما نشهده اليوم في زمن باتت فيه الألقاب توزع بلا مسؤولية.

بات اليوم كل من يحمل هاتفا يمنح نفسه لقب «إعلامي»، مما يطرح سؤالا جوهريا: من يملك حق إطلاق هذا الوصف؟ الإجابة لا تكمن في ذائقة الجمهور أو أعداد المتابعين، بل في معايير مهنية متعارف عليها دوليا. فالاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، بوصفه أكبر تجمع نقابي للصحفيين عالميا، يربط صفة «الصحفي» بالممارسة المهنية المنتظمة لجمع المعلومات والتحقق منها ونشرها عبر وسيلة إعلامية، لا بمجرد الظهور أمام الكاميرا أو امتلاك حساب رقمي.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحثان بيل كوفاتش وتوم روزنستيل في كتابهما «عناصر الصحافة» أن جوهر المهنة لا يكمن في نقل الخبر، بل في الالتزام بمنهج صارم يعرف بـ«انضباط التحقق». وتؤيد منظمة اليونسكو هذا التوجه في مناهجها النموذجية لتعليم الصحافة، إذ تشترط لاكتساب الصفة المهنية تلقي تأهيل منظم في جمع الأخبار والتحقق منها، والالتزام بمعايير الحياد والدقة، إضافة إلى الانتماء إلى مؤسسة إعلامية تتولى مراجعة العمل ومحاسبة القائمين عليه.

يتحمل الإعلامي مسؤولية مزدوجة تجاه جمهور يثق بكلمته، وجهة مهنية تراجع محتواه؛ فهو لا يشبه صاحب هاتف يتحدث في كل شيء دون سند مهني، أو ينشر المحتوى بعيدا عن القواعد الإعلامية تحت ذريعة «الإعلام الفردي» التي روج لها دون دراسة أو منطق. هذا «الإعلامي الفردي» غالبا لا يلتزم بالتحقق من المصادر، ولا يدرك الفوارق بين الخبر والرأي، ويغفل عن أدبيات المهنة كحق الرد، والتصحيح، والاعتذار عند الخطأ، بل كثيرا ما يسخر منصته لتحقيق مكاسب شخصية.

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي الفاصل بين ممارس المهنة وبين مستعرض المحتوى الباحث عن المشاهدات. ومن هنا يتضح الفرق بين الإعلامي وبين من يوثق افتتاح محل تجاري أو يغطي مناسبة اجتماعية باجتهاد شخصي؛ فصاحب الاجتهاد الشخصي يؤدي خدمة ترويجية مشروعة له كل الحق فيها، لكنه لا يمارس عملا إعلاميا بالمعنى المهني ما لم يلتزم بضوابطه.

قبل أن نصدر أحكامنا، من الإنصاف أن نعترف بأن ليس كل من يعمل خارج الإطار الرسمي منتحلا بالمعنى السلبي؛ فبعض صناع المحتوى رفعوا سقف الشفافية فعليا، وقدموا محتوى صادقا يتفوق أحيانا على ما تقدمه جهات رسمية. القضية ليست دائما انتحالا يستحق الإدانة، بل هي أحيانا ثغرة في تعريف المهنة ذاتها أمام واقع المنصات الجديدة، ولكن حين يتحول اللقب إلى غطاء لنشر أخبار حصرية دون ضوابط مهنية، أو وسيلة للترويج التجاري، أو منصة لتقديم استشارات طبية أو مالية أو قانونية بثقة من لا يملك مرجعية ولا يلتزم بقواعد أساسية؛ فعندها تتحول الظاهرة من استثناء مقبول إلى خطر جماعي حقيقي.

قبل أن يفقد الجمهور ثقته بالمعلومة: لا يقاس الإعلامي الحقيقي بعدد متابعيه، بل بمقدار انضباطه؛ فمنذ عصر المذياع، مرورا بالصحافة الورقية، وصولا إلى المنصات الرقمية، لم يكن الإعلامي يوما مجرد ناقل للخبر، بل كان منتقيا يزنه قبل نشره ويتحقق منه قبل أن يذيله باسمه. تلك ميزة يفتقدها كثيرون اليوم؛ فالجميع يجيد الضغط على زر «نشر»، بينما قلة فقط يملكون الجرأة على قول «لا تنشر» حين يستدعي الأمر ذلك.

لقد قام هذا الانضباط على قيم راسخة؛ كتقديم الدقة على السرعة، والمسؤولية على الشهرة، والمصلحة العامة على الإثارة؛ لأن كل كلمة قد تغير رأيا أو تشكل قرارا. ولهذا، كانت المهنة أقرب إلى الأمانة منها إلى الظهور، ومن هذا المبدأ تبنى ثقة الجمهور القادر على التمييز بين خبر حققته جهة مهنية وآخر انطلق بلا مصدر. ومما يزيد الأمر خطورة تزايد ظاهرة نقل أحاديث المجالس حول قضايا حساسة - كالصحة والمال - بهدف تحقيق انتشار شخصي، دون إدراك لعواقب نشر تلك المعلومات دون تحليل أو تدقيق.

الألقاب ليست مجرد زينة للتعريف، بل أمانة يحملها من يتصف بها، ومن الظلم إلقاء اللوم على الجهات الرسمية في ظاهرة انتحال الصفة الإعلامية؛ فقد وضعت تلك الجهات مسارا واضحا لضبط المهنة وتنظيمها. لكن يظل السؤال قائما: إذا كان المسار الرسمي متاحا وموثقا، فلماذا يتزايد عدد من ينتحلون صفة إعلامي بشكل لافت؟ تكمن المشكلة في تجاوز البعض للنظام واستعارة الصفة دون رادع كاف.

لقد أسست الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المملكة مسارا نظاميا عبر خدمة «التسجيل المهني للإعلاميين» التي انطلقت عام 2020 عبر منصة «إعلام»، حيث تجاوز عدد المسجلين 5500 إعلامي في أكثر من 50 مهنة، بدءا من المحرر الصحفي وصولا إلى المصور والكاتب والمنتج. ولم تكتف الهيئة بذلك، بل أطلقت «دليل المهن الإعلامية» مرجعا لتوصيف الوظائف وتصنيفها، وتحديد ضوابط مهنية يلتزم بها الممارسون، استنادا إلى معايير تشمل الاستقامة، والموضوعية، والكفاءة، وتصحيح الحقائق، والعدل.

والأهم من ذلك أن الهيئة جعلت التسجيل إلزاميا لجميع العاملين في المجال، وأعلنت صراحة عزمها اتخاذ إجراءات نظامية بحق كل من يمارس المهنة دون تسجيل، وكذلك بحق الجهات التي تستعين بهم، وذلك ضمن جهودها للحد من انتحال صفة الإعلامي وحماية الجمهور من الممارسات المضللة. وهذا إنجاز حقيقي يستحق الإشادة لا التجاهل؛ فالهيئة فتحت المجال ووضعت المعايير، لكن الفجوة لا تزال قائمة في جانب التطبيق والمتابعة.

تظهر التجارب الدولية أن معالجة انتحال الصفة الإعلامية ليست تحديا محليا فحسب، بل قضية واجهتها أنظمة إعلامية عديدة وقدمت لها حلولا يمكن الاستفادة منها. ففي المغرب، كرست لجنة أخلاقيات المهنة مبدأ الرقابة اللاحقة حين سحبت بطاقة الصحافة من مدير نشر أحد المواقع لمدة عام، لمخالفته الميثاق المهني، في سابقة تؤكد أن الترخيص التزام متجدد يخضع للمراجعة الدورية وليس وثيقة تمنح لمرة واحدة. أما في الأردن، فقد تبنى المشرع نهجا وقائيا بربط ممارسة العمل الإعلامي بالعضوية الإلزامية في النقابة، بحيث أصبح الانتماء المؤسسي شرطا أساسيا لحمل الصفة. وفي فرنسا، اعتمد النظام الإعلامي نموذجا توافقيا مرنا عبر لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الصحفيين والناشرين، تتولى مراجعة طلبات الترخيص حالة بحالة، بما يحقق التوازن بين حماية المهنة وضمان عدم احتكار صفة العمل الإعلامي.

تتكامل هذه النماذج الثلاثة وتشكل في مجموعها ركائز لمنظومة مهنية متينة؛ فمن الرقابة الوقائية بالتسجيل الإلزامي، إلى الرقابة اللاحقة بالمحاسبة والمراجعة الدورية، وصولا إلى الحوكمة التشاركية عبر اللجان المشتركة، يمكن صياغة مسار عملي متعدد الأبعاد لتعزيز التجربة المحلية. يقوم هذا المسار على ربط استخدام لقب «إعلامي» بالتسجيل المهني، مع فرض عقوبات واضحة على المخالفين استلهاما من التجربة الأردنية، وإرساء آلية دورية ومنهجية لسحب الترخيص عند الإخلال بأخلاقيات المهنة على غرار التجربة المغربية، واعتماد لجنة مراجعة مشتركة تضم إعلاميين وجهات رسمية وفق النموذج الفرنسي، بما يضمن أن يكون قرار الترخيص أو سحبه قرارا مؤسسيا جماعيا لا فرديا.

ولا يكتمل هذا الإطار دون تمييز واضح في التصنيف المهني بين «صانع المحتوى» الذي يمارس نشاطه عبر منصات التواصل ضمن ضوابط محددة، وبين «الإعلامي المحترف» الذي يخضع لمنظومة تسجيل وتأهيل ومساءلة شاملة. إن هذا التمييز ليس إجراء إداريا فحسب، بل هو شرط أساسي لضبط المهنة ومنع استغلالها، مع ضرورة فرض عقوبات رادعة على كل من ينتحل الصفة الإعلامية دون ترخيص من الهيئة المختصة.

كما يستدعي الأمر تحفيز المؤسسات الأكاديمية على تصميم برامج تأهيلية مكثفة لصناع المحتوى الجادين؛ لدمجهم مهنيا بدل إبقائهم خارج المنظومة الرسمية. وفي نهاية المطاف، يظل الرهان الأكبر معقودا على وعي الجمهور؛ كونه خط الدفاع الأول والأكثر فاعلية؛ فليس أقوى على ضبط الممارسة الإعلامية من قارئ واع يحسن التمييز بين المصدر الموثوق وبين مجرد الأصوات العالية.

أما إن ظل الباب مفتوحا دون حسم، فلن يخسر الإعلام مصداقيته فحسب، بل سيفقد المجتمع بوصلته الثقافية وذائقته العامة اللتين كان الإعلامي المهني يرعاهما بصمت عبر سلامة اللغة والدقة في نقل المحتوى. وحين يحل منتحل الصفة محله دون أدنى مسؤولية، تحل الصورة السطحية محل العمق المعرفي؛ فيعتاد الناس تصديق الصوت الأعلى لا الأصدق، ويغدو الوهم قائدا لرأي عام بأكمله.

moha_alm@