حكمة الدولة السعودية حين يصبح الصبر قوة
الخميس، ٦ أغسطس ٢٠٢٦في عالم يعاد فيه تشكيل موازين القوى، لم تعد السياسة الخارجية تقاس بحدة الخطاب أو سرعة ردود الفعل بقدر ما تقاس بقدرة الدولة على إدارة التوازن بين القوة والحكمة وبين الردع وضبط النفس. والدول التي تمتلك وزنا جيوسياسيا بحجم المملكة العربية السعودية تدرك أن أي قرار تتخذه لا يتوقف أثره عند حدودها الوطنية بل يمتد إلى أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. ومن هنا يمكن فهم السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة بوصفها مدرسة استراتيجية قائمة على تعظيم المكاسب الوطنية وتقليل كلفة الصراعات وتقديم الاستقرار على المغامرات.
لقد اختارت المملكة منذ وقت مبكر أن تبني نفوذها على أسس الدولة المسؤولة لا على منطق الاستقطاب. فكانت ترى أن التنمية والاقتصاد والاستثمار وصناعة المستقبل تمثل أدوات نفوذ أكثر استدامة من الصراعات المفتوحة. ولهذا جاءت رؤية المملكة 2030 باعتبارها مشروعا حضاريا يتجاوز البعد الاقتصادي إلى إعادة صياغة مفهوم القوة الوطنية، بحيث تصبح التنمية في حد ذاتها أحد أهم عناصر الأمن القومي. فالدولة التي تبني اقتصادا متنوعا وتستثمر في الإنسان والتقنية وتستقطب العالم إليها لا يمكن أن تسمح بأن تتحول إلى ساحة استنزاف أو رهينة لمشاريع الفوضى.
ومن هذا المنطلق اتسمت السياسة السعودية بدرجة عالية من الصبر الاستراتيجي. وهذا المفهوم يختلف جذريا عن مجرد الصبر التقليدي. فالصبر الاستراتيجي هو القدرة على استيعاب الاستفزازات دون التفريط في عناصر القوة مع انتظار اللحظة التي يصبح فيها القرار أكثر تأثيرا وأقل كلفة. وهو مفهوم معروف في العلاقات الدولية، حيث تلجأ إليه الدول الكبرى عندما تدرك أن الانفعال يخدم الخصم أكثر مما يخدم مصالحها.
ولهذا فضلت المملكة في كثير من المحطات إعطاء الفرصة للمسارات السياسية والدبلوماسية وخفض التصعيد. وكانت رسائلها المتكررة تؤكد أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على الحروب بالوكالة ولا على التدخل في شؤون الدول ولا على دعم الجماعات المسلحة، بل على احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار والتعاون الإقليمي. ولم يكن ذلك ناتجا عن غياب القدرة بل عن إدراك عميق بأن الحروب قد تبدأ بقرار لكنها لا تنتهي دائما وفق حسابات من أشعلها.
غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن هناك فارقا بين الصبر وبين السماح بتآكل الردع. فحين تتحول الاعتداءات إلى نمط متكرر، وحين تتجاوز بعض الأطراف كل الخطوط التي تحفظ الحد الأدنى من قواعد الاشتباك السياسي، يصبح الحفاظ على الردع ضرورة استراتيجية لا خيارا تكتيكيا. فالدولة التي تتسامح مع الاعتداءات إلى ما لا نهاية لا تشجع السلام بل تشجع الخصوم على الاعتقاد بأن كلفة التصعيد منخفضة. ولذلك فإن إعادة ترميم معادلة الردع تصبح في مثل هذه الظروف جزءا من حماية الاستقرار نفسه.
لهذا لقد تعاملت المملكة طوال سنوات مع تحديات أمنية معقدة فرضتها البيئة الإقليمية. وشهدت المنطقة نشاطا لجماعات مسلحة في أكثر من ساحة إقليمية وهو ما فرض تحديات أمنية مستمرة على عدد من الدول. وفي خضم هذه البيئة المضطربة حافظت المملكة على خطاب سياسي يدعو إلى الحلول السلمية ويؤكد أهمية تجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد. لكن السياسة الواقعية تفرض أن أي دولة مسؤولة لا يمكنها أن تسمح بأن يتحول ضبط النفس إلى فرصة لاستمرار الاعتداءات أو تهديد أمنها الوطني.
إن الردع في العقيدة السياسية السعودية ليس غاية مستقلة بل وسيلة لحماية الاستقرار. فالهدف ليس توسيع نطاق الصراع ولا صناعة أزمات جديدة بل تثبيت معادلة واضحة مفادها أن أمن المملكة خط أحمر، وأن أي محاولة للمساس به ستواجه بما يكفل حماية الدولة ومصالحها. وهذه الفلسفة تجعل القوة امتدادا للحكمة وليست بديلا عنها لأن الحكمة الحقيقية لا تعني التخلي عن أدوات القوة بل تعني حسن توقيت استخدامها.
وقد برزت هذه المعادلة بصورة أكثر وضوحا في عهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الذي أعاد تعريف مفهوم القوة السعودية وفق رؤية شاملة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية والأمن والتقنية. فالقوة في المفهوم الحديث ليست عدد الجيوش فقط، بل هي أيضا حجم الاقتصاد وقدرة الدولة على جذب الاستثمارات ومكانتها في القرار الدولي وتأثيرها في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية وقدرتها على بناء التحالفات وصناعة المبادرات. وهذه العناصر مجتمعة جعلت المملكة رقما صعبا في معادلات الإقليم والعالم.
ولذلك فإن المملكة وهي تمضي في تنفيذ أكبر مشروع تنموي في تاريخها الحديث كانت تدرك أن التنمية تحتاج إلى مظلة أمنية مستقرة، وأن الأمن يحتاج بدوره إلى قوة ردع موثوقة. فلا يمكن حماية المدن الاقتصادية ولا المشاريع العملاقة ولا حركة التجارة ولا تدفقات الاستثمار إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية فضائها الأمني، أو إذا كانت الجماعات المسلحة تعتقد أن بإمكانها فرض وقائع جديدة خارج إطار الدولة والقانون.
وقد أثبتت الأحداث أن الرهان السعودي كان قائما على بناء دولة قوية لا تبحث عن الصراعات لكنها لا تتردد في حماية مصالحها عندما تفرض الضرورة ذلك. وهذا هو الفارق بين الدولة التي تستخدم القوة لإثبات وجودها والدولة التي تستخدمها لحماية مشروعها الوطني. فالأولى تعيش على الأزمات بينما الثانية تسعى إلى إنهائها لأنها تدرك أن التنمية هي الاستثمار الحقيقي في المستقبل.
إن قراءة السياسة السعودية بعيدا عن الانفعالات تكشف أن ما يبدو أحيانا صمتا هو في الحقيقة إدارة واعية للوقت، وما يبدو تريثا هو في جوهره بناء متدرج لعناصر القوة وما يبدو هدوءا هو في الواقع ثقة بدولة تعرف حجمها ومكانتها، وتدرك أن القرارات الكبرى لا تصنع تحت ضغط اللحظة بل وفق حسابات دقيقة تتداخل فيها الجغرافيا والاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية.
ولهذا فإن الحكمة السعودية لم تكن يوما انعزالا عن الأحداث ولم يكن الصبر تراجعا عن حماية المصالح الوطنية. بل كانا انعكاسا لعقيدة سياسية ترى أن السلام هو الخيار الأول ما دام ممكنا، وأن الردع هو الخيار الضروري عندما يصبح السلام مهددا. وهذه هي المعادلة التي منحت المملكة مكانتها كدولة محورية تجمع بين الاعتدال والحزم وبين المسؤولية والقدرة وبين السعي إلى الاستقرار والاستعداد الدائم للدفاع عن أمنها وسيادتها ومصالحها الوطنية.
alatif1969@