حين يتوقف القلب أمام الباب: مرونة النهايات
الأربعاء، ٥ أغسطس ٢٠٢٦
قبل أيام، انتشر عبر منصات التواصل خبر مؤلم مفاده أن موظفا غادر مقر عمله بعد إنهاء خدمته ليسقط أمام المبنى مفارقا الحياة قبل أن يصل إلى سيارته. لم تصدر أي جهة رسمية بيانا يؤكد تفاصيل الواقعة، لكن انتشارها الواسع والنقاش الذي أشعلته حول علاقة بيئة العمل بصحة الموظفين، يستحقان وقفة متأنية بعيدا عن تفاصيل الحادثة نفسها. فالسؤال الذي يستحق أن يطرح ليس هل حدث هذا فعلا؟ بل هل يمكن أصلا أن يحدث؟
طبيا هناك حالة موثقة تحمل اسما يبدو كأنه استعارة أدبية وهو "متلازمة القلب المكسور" أو اعتلال عضلة القلب "تاكوتسوبو". وصفت الحالة لأول مرة في اليابان في تسعينيات القرن الماضي، وذلك حين يتعرض الشخص لصدمة عاطفية حادة ومفاجئة. فيقوم الجسد بإفراز كمية كبيرة من الهرمونات المرتبطة بالتوتر كالأدرينالين، تعمل على إضعاف عضلة القلب مؤقتا وتغيير شكلها، فتظهر أعراض تشبه النوبة القلبية دون انسداد فعلي في الشرايين. ولوحظ ارتفاع لافت في هذه الحالات بعد زلزال اليابان عام 2011، حين نقل عدد كبير من الأشخاص إلى المستشفيات بأعراض قلبية حادة دون تاريخ أو ارتباط مرضي يفسرها. ورغم أن أغلب المصابين يتعافون خلال أسابيع، لكن تبقى الحالة ذات دلالة بأن القلب لا يتأثر بالدهون والكوليسترول فقط، بل أيضا بالصدمات العاطفية بمختلف أشكالها.
القصة المتداولة، حتى لو بقيت تفاصيلها غير مؤكدة، تفتح نقاشا أوسع: هل تحولت بعض البيئات المهنية إلى مصدر أذى صحي فعلي لا مجازي؟
في بيئات العمل الحديثة يقف الموظف غالبا على طرفي نقيض، كلاهما محفوف بالمخاطر. ففي طرف يوجد من يحترق ليمنح عمله كل وقته، ويجعل من نجاحه المهني المقياس الأوحد لقيمته الذاتية وهويته المجتمعية، حتى يتحول أي إخفاق أو قرار إقالة مفاجئ إلى انهيار كامل لعالمه. وفي الطرف المقابل، وكرد فعل طبيعي على هذا الاحتراق يصعد خيار "الاستقالة الصامتة" (Quiet Quitting). والذي يحدث حينما يقرر الموظف أداء الحد الأدنى المطلوب فقط، ويفصل نفسه عاطفيا عن عمله ليحمي مرونته النفسية. وهنا لا تعد الاستقالة الصامتة كسلا أو تخاذلا كما تصنفها بعض الإدارات، بل درع وقاية ذاتية أمام بيئة لم تعد آمنة.
بين الموظف الذي يحترق ليثبت نفسه حتى الرمق الأخير، والموظف الذي ينسحب بصمت ليحمي روحه، يضيع التوازن المنشود، وتفشل بيئات العمل غالبا في خلق تلك المساحة الآمنة في المنتصف: مساحة يكون فيها الموظف طموحا ومنتجا دون أن يطلب منه دفع صحته ثمنا، وتضمن له في الوقت ذاته تقديرا إنسانيا يحفظ كرامته.
والمخيف أن الأرقام تؤكد هذه الفجوة، حيث يشير مستشارو الموارد البشرية إلى أن غالبية الاستقالات سببها بيئات عمل ذات إدارة سيئة لا الراتب. فيما توصلت مؤسسة غالوب العالمية، بعد تتبع بيانات ملايين الموظفين حول العالم على مدى عقدين، إلى أن المدير المباشر وحده يفسر النسبة الأكبر من التفاوت في مستوى الحماس والانخراط الوظيفي بين الفرق داخل المؤسسة الواحدة. وهذا ما يمنح المقولة الشائعة "الناس لا تترك وظائفها بل تترك مديريها" مصداقية لا تقبل الجدل.
القرارات الإدارية المفاجئة والتجاوزات غير المهنية ليست إذن مجرد مواقف مزعجة تنسى مع الوقت، بل ضغوط موثقة الأثر على الجسد، تراكمية كانت أم حادة. وإنهاء التعاقد مع موظف دون تمهيد أو تفسير إنساني كاف أو تعويض لائق، خصوصا إن كان قرار الفصل استراتيجيا لظروف تمر بها المنشأة وليس لضعف أداء الموظف، لا يمس فقط دخله ورزقه، بل يمس استقرار جسده الفسيولوجي وربما يكلفه حياته.
وهنا يبرز الدور الجوهري للقيادات التنفيذية؛ فالجلوس على قمة الهرم لم يعد يقتصر على تحليل البيانات وتحقيق مؤشرات الأداء والأرباح وكفاءة الإنفاق، بل يتطلب في المقام الأول هندسة إنسانية لثقافة العمل. القائد التنفيذي الحقيقي هو من يدرك أن بناء بيئة عمل آمنة نفسيا ليس ترفا، بل جوهر الاستدامة. وتقع على عاتق هذه القيادات مسؤولية مراقبة المديرين من تحتهم، خصوصا تلك الفئة التي تستخدم الترهيب كأداة للإدارة، وضرورة تدريبهم على مبادئ وأساسيات الذكاء العاطفي وكيفية إدارة الأزمات الإنسانية بمهنية وحفظ للكرامة، خاصة في أصعب اللحظات كإنهاء التعاقدات.
المفارقة أن الحل ليس معقدا أو مكلفا؛ تمهيد نفسي بسيط قبل القرارات المصيرية الكبرى التي تمس الموظف مثل إنهاء التعاقد معه أو إلغاء امتيازات وبدلات كان يحصل عليها مسبقا، إيصال الخبر بأسلوب هادئ ولبق مع إتاحة وقت للموظف لاستيعاب القرار وترتيب شؤونه، ومتابعة إنسانية بعد إنهاء الخدمة بدلا من قطع طرق التواصل معه فجأة. خطوات صغيرة؛ لكنها تصنع فارقا حقيقيا بين تجربة مؤلمة وأخرى قاتلة.
في النهاية، ما ينبغي أن يبقى معنا من هذه الواقعة ليس الخوف من فقدان الوظيفة، بل إدراك أن الطريقة التي تدار بها العلاقة بين الإنسان وعمله ليست تفصيلا إداريا هامشيا، بل هي عامل صحي حقيقي يستحق أن يدرج ضمن معايير حوكمة البيئات المهنية مع آليات لمتابعة تطبيق الأنظمة الخاصة بحماية حقوق العاملين في مختلف هذه البيئات. كما أن المرونة الحقيقية في مواجهة تحديات العمل تعني أن نبني بيئات تدرك أن الاستثمار في أنسنة الإدارة هو الضمانة الوحيدة لكيلا يتحول مقر العمل إلى فخاخ للموت للعاملين فيه، سواء ماتوا بالسكتة القلبية أو بالسكتة المهنية.
طبيا هناك حالة موثقة تحمل اسما يبدو كأنه استعارة أدبية وهو "متلازمة القلب المكسور" أو اعتلال عضلة القلب "تاكوتسوبو". وصفت الحالة لأول مرة في اليابان في تسعينيات القرن الماضي، وذلك حين يتعرض الشخص لصدمة عاطفية حادة ومفاجئة. فيقوم الجسد بإفراز كمية كبيرة من الهرمونات المرتبطة بالتوتر كالأدرينالين، تعمل على إضعاف عضلة القلب مؤقتا وتغيير شكلها، فتظهر أعراض تشبه النوبة القلبية دون انسداد فعلي في الشرايين. ولوحظ ارتفاع لافت في هذه الحالات بعد زلزال اليابان عام 2011، حين نقل عدد كبير من الأشخاص إلى المستشفيات بأعراض قلبية حادة دون تاريخ أو ارتباط مرضي يفسرها. ورغم أن أغلب المصابين يتعافون خلال أسابيع، لكن تبقى الحالة ذات دلالة بأن القلب لا يتأثر بالدهون والكوليسترول فقط، بل أيضا بالصدمات العاطفية بمختلف أشكالها.
القصة المتداولة، حتى لو بقيت تفاصيلها غير مؤكدة، تفتح نقاشا أوسع: هل تحولت بعض البيئات المهنية إلى مصدر أذى صحي فعلي لا مجازي؟
في بيئات العمل الحديثة يقف الموظف غالبا على طرفي نقيض، كلاهما محفوف بالمخاطر. ففي طرف يوجد من يحترق ليمنح عمله كل وقته، ويجعل من نجاحه المهني المقياس الأوحد لقيمته الذاتية وهويته المجتمعية، حتى يتحول أي إخفاق أو قرار إقالة مفاجئ إلى انهيار كامل لعالمه. وفي الطرف المقابل، وكرد فعل طبيعي على هذا الاحتراق يصعد خيار "الاستقالة الصامتة" (Quiet Quitting). والذي يحدث حينما يقرر الموظف أداء الحد الأدنى المطلوب فقط، ويفصل نفسه عاطفيا عن عمله ليحمي مرونته النفسية. وهنا لا تعد الاستقالة الصامتة كسلا أو تخاذلا كما تصنفها بعض الإدارات، بل درع وقاية ذاتية أمام بيئة لم تعد آمنة.
بين الموظف الذي يحترق ليثبت نفسه حتى الرمق الأخير، والموظف الذي ينسحب بصمت ليحمي روحه، يضيع التوازن المنشود، وتفشل بيئات العمل غالبا في خلق تلك المساحة الآمنة في المنتصف: مساحة يكون فيها الموظف طموحا ومنتجا دون أن يطلب منه دفع صحته ثمنا، وتضمن له في الوقت ذاته تقديرا إنسانيا يحفظ كرامته.
والمخيف أن الأرقام تؤكد هذه الفجوة، حيث يشير مستشارو الموارد البشرية إلى أن غالبية الاستقالات سببها بيئات عمل ذات إدارة سيئة لا الراتب. فيما توصلت مؤسسة غالوب العالمية، بعد تتبع بيانات ملايين الموظفين حول العالم على مدى عقدين، إلى أن المدير المباشر وحده يفسر النسبة الأكبر من التفاوت في مستوى الحماس والانخراط الوظيفي بين الفرق داخل المؤسسة الواحدة. وهذا ما يمنح المقولة الشائعة "الناس لا تترك وظائفها بل تترك مديريها" مصداقية لا تقبل الجدل.
القرارات الإدارية المفاجئة والتجاوزات غير المهنية ليست إذن مجرد مواقف مزعجة تنسى مع الوقت، بل ضغوط موثقة الأثر على الجسد، تراكمية كانت أم حادة. وإنهاء التعاقد مع موظف دون تمهيد أو تفسير إنساني كاف أو تعويض لائق، خصوصا إن كان قرار الفصل استراتيجيا لظروف تمر بها المنشأة وليس لضعف أداء الموظف، لا يمس فقط دخله ورزقه، بل يمس استقرار جسده الفسيولوجي وربما يكلفه حياته.
وهنا يبرز الدور الجوهري للقيادات التنفيذية؛ فالجلوس على قمة الهرم لم يعد يقتصر على تحليل البيانات وتحقيق مؤشرات الأداء والأرباح وكفاءة الإنفاق، بل يتطلب في المقام الأول هندسة إنسانية لثقافة العمل. القائد التنفيذي الحقيقي هو من يدرك أن بناء بيئة عمل آمنة نفسيا ليس ترفا، بل جوهر الاستدامة. وتقع على عاتق هذه القيادات مسؤولية مراقبة المديرين من تحتهم، خصوصا تلك الفئة التي تستخدم الترهيب كأداة للإدارة، وضرورة تدريبهم على مبادئ وأساسيات الذكاء العاطفي وكيفية إدارة الأزمات الإنسانية بمهنية وحفظ للكرامة، خاصة في أصعب اللحظات كإنهاء التعاقدات.
المفارقة أن الحل ليس معقدا أو مكلفا؛ تمهيد نفسي بسيط قبل القرارات المصيرية الكبرى التي تمس الموظف مثل إنهاء التعاقد معه أو إلغاء امتيازات وبدلات كان يحصل عليها مسبقا، إيصال الخبر بأسلوب هادئ ولبق مع إتاحة وقت للموظف لاستيعاب القرار وترتيب شؤونه، ومتابعة إنسانية بعد إنهاء الخدمة بدلا من قطع طرق التواصل معه فجأة. خطوات صغيرة؛ لكنها تصنع فارقا حقيقيا بين تجربة مؤلمة وأخرى قاتلة.
في النهاية، ما ينبغي أن يبقى معنا من هذه الواقعة ليس الخوف من فقدان الوظيفة، بل إدراك أن الطريقة التي تدار بها العلاقة بين الإنسان وعمله ليست تفصيلا إداريا هامشيا، بل هي عامل صحي حقيقي يستحق أن يدرج ضمن معايير حوكمة البيئات المهنية مع آليات لمتابعة تطبيق الأنظمة الخاصة بحماية حقوق العاملين في مختلف هذه البيئات. كما أن المرونة الحقيقية في مواجهة تحديات العمل تعني أن نبني بيئات تدرك أن الاستثمار في أنسنة الإدارة هو الضمانة الوحيدة لكيلا يتحول مقر العمل إلى فخاخ للموت للعاملين فيه، سواء ماتوا بالسكتة القلبية أو بالسكتة المهنية.