العقد البريطاني الضائع
الأربعاء، ٥ أغسطس ٢٠٢٦
في عالم تتغير فيه الدول عبر استراتيجيات طويلة المدى، تبدو بريطانيا وكأنها الدولة الغربية الوحيدة التي غيرت مسارها عبر سردية إعلامية أكثر من كونها رؤية سياسية. فخلال العقد الذي تلا البريكست، تحول هذا القرار من لحظة سياسية صاخبة إلى مرآة تكشف هشاشة السرديات الكبرى حين تبنى على العاطفة لا على الحسابات.
لم تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فقط، لكنها خرجت أيضا من قصة كانت تمنحها مكانة واضحة، ودورا مفهوما، وثقة راسخة في مستقبلها. وما بين أوروبا التي ابتعدت عنها، والعالم الذي لم تجد فيه موقعا ثابتا، تعيش المملكة المتحدة اليوم عقدا يمكن وصفه بالعقد البريطاني الضائع.
شهدت بريطانيا خلال السنوات العشر الماضية سبعة رؤساء وزراء، وهو رقم يعكس اهتزازا عميقا في بنية اتخاذ القرار داخل الحزبين الرئيسيين، وغياب سردية وطنية موحدة بعد البريكست.
فخطاب "استعادة السيطرة" الذي روج له الإعلام خلال حملة الاستفتاء لم يتحول لاحقا إلى رؤية سياسية تشرح للمواطنين أسباب تعثر الوعود، أو تحدد موقع بريطانيا الجديد خارج الاتحاد الأوروبي، أو تقدم تصورا لمعالجة الانقسام الداخلي.
هذا الفراغ السردي جعل كل رئيس وزراء يبدأ من نقطة الصفر، ويواجه مقاومة سياسية وشعبية منذ اليوم الأول، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية وتآكل الإجماع الوطني.
تشير تقديرات مؤسسات اقتصادية بريطانية مستقلة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي أصبح أصغر بما يتراوح بين 4% و8% مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
كما انخفضت الصادرات إلى أوروبا بنحو 12%، وتراجع الاستثمار الأجنبي نتيجة حالة عدم اليقين المستمرة، فيما فقد الجنيه الإسترليني نحو 10% من قيمته منذ الاستفتاء.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعبير عن تكلفة استراتيجية أثرت على قدرة بريطانيا في الحفاظ على نفوذها العالمي، فالصفقات التجارية الكبرى بقيت محدودة، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في تقديم نموذج اقتصادي بديل يعوض السوق الأوروبية الموحدة، رغم الوعود التي روج لها إعلاميا.
أعاد البريكست رسم الخريطة الاجتماعية داخل المملكة المتحدة.
فالمدن الكبرى بقيت أكثر انفتاحا، بينما تمسكت المناطق الريفية بخطاب قومي محافظ.
وتغيرت مصادر الهجرة بدل أن تنخفض، ما زاد من حدة الجدل حول الهوية والانتماء.
هذا الانقسام الاجتماعي لم يعد مجرد حالة ظرفية، بل أصبح عاملا سياسيا مؤثرا في كل انتخابات وكل قرار حكومي، ويمثل أحد أبرز التحديات أمام أي محاولة لإعادة بناء توافق وطني.
فقد الإعلام التقليدي جزءا كبيرا من تأثيره، وصعدت منصات بديلة بخطاب أكثر حدة واستقطابا.
هذا التحول جعل إدارة الرأي العام أكثر تعقيدا، وأضعف قدرة الدولة على إنتاج سردية جامعة حول مستقبل البلاد، في وقت تحتاج فيه بريطانيا إلى خطاب موحد يعيد تعريف دورها العالمي.
من واقع تجربة شخصية تمتد لأكثر من ثلاثة أعوام من الدراسة والعيش في بريطانيا بين 2009 و2012، وزيارات متكررة قبل وبعد ذلك التاريخ، تبدو التحولات اليوم أكثر وضوحا.
فعندما زرت البلاد العام الماضي لحضور مؤتمر، لاحظت أن المباني بقيت كما هي، لكن الوهج البريطاني لم يعد كما كان.
هناك شعور عام بأن البلاد تبحث عن ذاتها، عن سردية جديدة تعيد إليها ثقتها بنفسها.
بعد عقد كامل، تقف بريطانيا أمام حقيقة واضحة:
لم تعد إلى أوروبا، ولم تجد موقعا مستقرا خارجها، ولم تحقق وعود البريكست، لكنها أيضا لم تنهر، إنها تعيش مرحلة انتقالية ممتدة تبحث خلالها عن سردية وطنية جديدة تعيد بناء ثقتها بدورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
فالقصة لم تعد قصة خروج من الاتحاد الأوروبي، بل قصة دولة فقدت سرديتها الكبرى، وتبحث اليوم عن بوصلة جديدة في عالم سريع التحول.
لم تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فقط، لكنها خرجت أيضا من قصة كانت تمنحها مكانة واضحة، ودورا مفهوما، وثقة راسخة في مستقبلها. وما بين أوروبا التي ابتعدت عنها، والعالم الذي لم تجد فيه موقعا ثابتا، تعيش المملكة المتحدة اليوم عقدا يمكن وصفه بالعقد البريطاني الضائع.
شهدت بريطانيا خلال السنوات العشر الماضية سبعة رؤساء وزراء، وهو رقم يعكس اهتزازا عميقا في بنية اتخاذ القرار داخل الحزبين الرئيسيين، وغياب سردية وطنية موحدة بعد البريكست.
فخطاب "استعادة السيطرة" الذي روج له الإعلام خلال حملة الاستفتاء لم يتحول لاحقا إلى رؤية سياسية تشرح للمواطنين أسباب تعثر الوعود، أو تحدد موقع بريطانيا الجديد خارج الاتحاد الأوروبي، أو تقدم تصورا لمعالجة الانقسام الداخلي.
هذا الفراغ السردي جعل كل رئيس وزراء يبدأ من نقطة الصفر، ويواجه مقاومة سياسية وشعبية منذ اليوم الأول، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية وتآكل الإجماع الوطني.
تشير تقديرات مؤسسات اقتصادية بريطانية مستقلة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي أصبح أصغر بما يتراوح بين 4% و8% مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
كما انخفضت الصادرات إلى أوروبا بنحو 12%، وتراجع الاستثمار الأجنبي نتيجة حالة عدم اليقين المستمرة، فيما فقد الجنيه الإسترليني نحو 10% من قيمته منذ الاستفتاء.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعبير عن تكلفة استراتيجية أثرت على قدرة بريطانيا في الحفاظ على نفوذها العالمي، فالصفقات التجارية الكبرى بقيت محدودة، ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في تقديم نموذج اقتصادي بديل يعوض السوق الأوروبية الموحدة، رغم الوعود التي روج لها إعلاميا.
أعاد البريكست رسم الخريطة الاجتماعية داخل المملكة المتحدة.
فالمدن الكبرى بقيت أكثر انفتاحا، بينما تمسكت المناطق الريفية بخطاب قومي محافظ.
وتغيرت مصادر الهجرة بدل أن تنخفض، ما زاد من حدة الجدل حول الهوية والانتماء.
هذا الانقسام الاجتماعي لم يعد مجرد حالة ظرفية، بل أصبح عاملا سياسيا مؤثرا في كل انتخابات وكل قرار حكومي، ويمثل أحد أبرز التحديات أمام أي محاولة لإعادة بناء توافق وطني.
فقد الإعلام التقليدي جزءا كبيرا من تأثيره، وصعدت منصات بديلة بخطاب أكثر حدة واستقطابا.
هذا التحول جعل إدارة الرأي العام أكثر تعقيدا، وأضعف قدرة الدولة على إنتاج سردية جامعة حول مستقبل البلاد، في وقت تحتاج فيه بريطانيا إلى خطاب موحد يعيد تعريف دورها العالمي.
من واقع تجربة شخصية تمتد لأكثر من ثلاثة أعوام من الدراسة والعيش في بريطانيا بين 2009 و2012، وزيارات متكررة قبل وبعد ذلك التاريخ، تبدو التحولات اليوم أكثر وضوحا.
فعندما زرت البلاد العام الماضي لحضور مؤتمر، لاحظت أن المباني بقيت كما هي، لكن الوهج البريطاني لم يعد كما كان.
هناك شعور عام بأن البلاد تبحث عن ذاتها، عن سردية جديدة تعيد إليها ثقتها بنفسها.
بعد عقد كامل، تقف بريطانيا أمام حقيقة واضحة:
لم تعد إلى أوروبا، ولم تجد موقعا مستقرا خارجها، ولم تحقق وعود البريكست، لكنها أيضا لم تنهر، إنها تعيش مرحلة انتقالية ممتدة تبحث خلالها عن سردية وطنية جديدة تعيد بناء ثقتها بدورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
فالقصة لم تعد قصة خروج من الاتحاد الأوروبي، بل قصة دولة فقدت سرديتها الكبرى، وتبحث اليوم عن بوصلة جديدة في عالم سريع التحول.