الرأي

عندما يسبقك اهتمام الموظف إلى احتياجك



في أحد الأيام، كان لدي موعد مجدول في فرع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بالمنطقة الشرقية. وكأي مراجع، كنت أتوقع أن تبدأ رحلتي بشرح تفاصيل موضوعي، ثم البحث في المستندات، ثم طرح الأسئلة المعتادة. لكن ما حدث كان مختلفا تماما.

ما إن جلست أمام موظف خدمة المستفيد حتى فوجئت بأنه يعرف اسمي، ويعرف سبب حضوري، بل وقد اطلع مسبقا على مستنداتي وملف طلبي قبل وصولي إلى الموعد. لم أحتج إلى إعادة سرد التفاصيل أو شرح خلفية الموضوع، وإنما بدأ الحديث مباشرة من النقطة التي أتيت من أجلها، وكانت الإجابات دقيقة، واضحة، ومبنية على معرفة كاملة بحالتي.

عندها أدركت أنني لا أقف أمام موظف ينتظر المراجع ليبدأ العمل، بل أمام منظومة عمل تستعد للمراجع قبل أن يصل إليها.

ولأن الإتقان يستحق أن يذكر، فقد لفت انتباهي اسم الموظف الأستاذ ربيع، الذي جسد هذا المستوى من المهنية والجاهزية، فكان نموذجا يعكس ثقافة مؤسسية تقوم على احترام وقت المستفيد، والاستعداد لخدمته بأعلى درجات الكفاءة.

قد يظن البعض أن جودة خدمة المستفيد تقاس بسرعة إنجاز المعاملة، لكن الحقيقة أن الجودة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من التحضير، ومن قراءة احتياج المستفيد قبل أن يشرحه، ومن استثمار الوقت في الإعداد بدلا من إضاعته في الأسئلة المتكررة والبحث أثناء المقابلة. عندما يصل الموظف إلى مكتبه وهو يعرف من سيقابله وما الذي يحتاج إليه، فإنه يختصر الوقت، ويزيد دقة الخدمة، ويمنح المستفيد شعورا حقيقيا بأن وقته محل تقدير.

هذه الممارسة الإدارية، على بساطتها، تحمل أثرا كبيرا، فهي ترفع كفاءة العمل، وتقلل زمن الانتظار، وتمنح الموظف ثقة أكبر في تقديم الخدمة، كما تعزز رضا المستفيد وتترك لديه انطباعا إيجابيا يدوم طويلا.

من هنا، فإن هذه التجربة تستحق أن تروى، ليس لأنها معاملة شخصية، بل لأنها تقدم نموذجا عمليا لما ينبغي أن تكون عليه خدمات الجهات الحكومية. فحين يصبح التحضير للمستفيد جزءا أصيلا من ثقافة العمل، تتحول الزيارة من مجرد إجراء إداري إلى تجربة إيجابية تعكس نضج المؤسسة واحترافيتها.

كل الشكر للهيئة السعودية للتخصصات الصحية على هذا المستوى من التنظيم، وللأستاذ ربيع على ما قدمه من صورة مشرفة لخدمة المستفيد. وأتمنى أن تنتقل مثل هذه الممارسات إلى مختلف الجهات الحكومية، لأن التميز لا يصنعه القرار وحده، وإنما تصنعه التفاصيل الصغيرة التي يشعر بها المستفيد منذ اللحظة الأولى.