البلد

المؤتمرات الصحفية الفنية تحت المجهر

في ظل الطفرة غير المسبوقة التي تشهدها المملكة في قطاعي الثقافة والترفيه، باتت المؤتمرات الصحفية الفنية عنصرًا رئيسًا في صناعة الحدث، وواجهة تعكس مستوى الاحترافية لدى الجهات المنظمة. إلا أن هذا الحراك المتسارع كشف في المقابل عن تحديات مهنية متكررة، دفعت عددًا من الإعلاميين والمختصين إلى المطالبة بإطار تنظيمي وميثاق مهني موحد ينظم العلاقة بين الجهات المنظمة ووسائل الإعلام، ويعيد للمؤتمر الصحفي رسالته بوصفه مساحة للحوار وإنتاج المعرفة، لا منصة لإعادة تدوير البيانات الصحفية أو توجيه الأسئلة.

حرية السؤال... جوهر المؤتمر
ترى كاتبة الرأي والصحفية نهلة الجمال أن الإشكالية لا تكمن في التنظيم بحد ذاته، وإنما في تحوله أحيانًا إلى وصاية على الإعلامي، من خلال توجيه الأسئلة أو تقييدها، أو ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على الصحفيين. وتؤكد أن هذه الممارسات تتعارض مع مفهوم الشراكة الإعلامية، وتفرغ المؤتمر الصحفي من رسالته الأساسية القائمة على الشفافية، وحرية السؤال، واحترام استقلالية العمل الصحفي.

ويؤكد الصحفي والناقد الفني وائل العتيبي أن المؤتمر الصحفي لا يُعقد لتكرار ما ورد في البيان الإعلامي، وإنما لإنتاج معلومة جديدة من خلال الحوار. ويشير إلى أن من حق الجهة المنظمة إدارة الوقت وتنظيم المداخلات، لكنها لا تملك التدخل في مضمون الأسئلة أو توجيهها، لأن السؤال المهني ليس عبئًا على المؤتمر، بل هو سبب وجوده، ومن خلاله يُمنح الجمهور حقه في المعرفة، وتتعزز مصداقية الجهة المنظمة.

أخطاء تنظيمية تقلل من قيمة المؤتمر
ويرى الصحفي عجاب الحنتوشي أن كثيرًا من المؤتمرات الفنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاحترافية في الإدارة والمحتوى، لافتًا إلى أن أبرز الإشكالات تتمثل في تكرار الأسئلة، والانشغال بالإثارة والجوانب الشخصية على حساب الأعمال الفنية، إلى جانب ضيق الوقت، وضعف إدارة الحوار، وغياب العدالة في توزيع فرص الأسئلة بين وسائل الإعلام.

ويضيف أن تطوير المؤتمرات يبدأ بالإعداد الجيد، ووضع محاور واضحة، واختيار مدير مؤتمر يمتلك الخبرة والكفاءة في إدارة الحوار، مع توفير ملفات ومواد إعلامية تساعد الصحفيين على تقديم تغطيات أكثر عمقًا، وإتاحة مساحة لأسئلة الجمهور عبر المنصات الرقمية، بما يعزز التفاعل ويثري النقاش.

جودة المؤتمر تبدأ من جودة السؤال
أما الصحفي ياسر خليل، فيرى أن قيمة المؤتمر ترتبط بجودة الأسئلة المطروحة، مؤكدًا أن السؤال الصحفي لا يُقاس بجرأته أو غرابته، بل بمدى ارتباطه بموضوع المؤتمر، ودقة صياغته، وقدرته على فتح حوار يضيف معلومة جديدة للقارئ. ويشدد على أن المشكلة ليست في وجود أسئلة صعبة، وإنما في الأسئلة الخارجة عن السياق، أو تلك التي لا تخدم العمل الصحفي.

ويلفت إلى ظاهرة تستحق المراجعة، تتمثل في اتساع مشاركة المشاهير والمؤثرين وصناع المحتوى داخل المساحات المخصصة للإعلاميين، رغم اختلاف طبيعة أدوارهم عن العمل الصحفي، وهو ما قد يؤثر في جودة الحوار عندما تطغى الأسئلة الاستعراضية أو الشخصية على الأسئلة المهنية، فيتراجع دور المؤتمر بوصفه منصة لإنتاج المعرفة، ويتحول إلى مساحة لصناعة المحتوى وتحقيق الانتشار على حساب رسالته الإعلامية.

الاحترافية معيار النجاح
من جانبه، يرى الصحفي عبدالله الينبعاوي أن المؤتمرات الصحفية أصبحت جزءًا من المنظومة الإعلامية الحديثة، وهو ما يفرض الارتقاء بمستوى احترافيتها، مشيرًا إلى أن من أبرز التحديات ضيق الوقت المخصص للأسئلة، وتحول بعض المؤتمرات إلى استعراض للإنجازات على حساب الحوار.

ويؤكد أهمية تحقيق العدالة في توزيع فرص الأسئلة بين وسائل الإعلام، وتوفير ملفات إعلامية متكاملة عقب المؤتمر، إلى جانب التزام إدارة المؤتمر بالحياد والشفافية، لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الحضور أو حجم التغطية، وإنما بما ينتجه المؤتمر من معلومات جديدة، وما يرسخه من ثقة لدى الجمهور.

وتجمع هذه الآراء على أن المؤتمر الصحفي يفقد قيمته عندما يتحول إلى مساحة للأسئلة المعدة سلفًا أو المجاملات، بينما يحقق رسالته الحقيقية حين يكون منصة مفتوحة للحوار المهني، تُدار بعدالة، وتحترم استقلالية الصحفي، وتمنح الجمهور حقه في الوصول إلى المعلومة.

تحديات تبدأ قبل انعقاد المؤتمر
ويرى الصحفي ماهر عبدالوهاب أن كثيرًا من الإشكالات التي تعانيها المؤتمرات الصحفية الفنية لا ترتبط فقط بطريقة إدارتها، بل تبدأ منذ مرحلة الإعداد والتنظيم. ويشير إلى أن عدداً من المؤتمرات لا يُجدول أو يُخطط له بوقت كافٍ، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة التغطية الإعلامية، ومستوى الحضور الصحفي، والاستعداد المهني للمؤتمر.

ويؤكد أن الساحة الفنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الصحفيين المتخصصين والنقاد المتمكنين، في ظل محدودية أعدادهم، أو عزوف بعضهم عن حضور المؤتمرات، أو عدم توجيه الدعوات إليهم بالشكل المناسب، وهو ما يحرم هذه الفعاليات من الأسئلة العميقة والقراءات النقدية التي تثري الحوار مع الفنانين وصنّاع الأعمال.

ويلفت إلى أن الصحافة الفنية ما زالت تعاني نظرة مجتمعية تقلل من مكانتها مقارنة بالصحافة الاقتصادية أو المحلية أو الرياضية، الأمر الذي جعلها أقل جذبًا للكوادر الإعلامية، كما أن بعض الجهات المنظمة لا تمنح الصحفي الفني التقدير الذي يستحقه، رغم دوره في توثيق الحراك الثقافي والفني ونقله إلى الجمهور. ويشدد على أن النهضة التي تشهدها المملكة في مجالات الثقافة والترفيه والسينما والموسيقى تفرض تغيير هذه الصورة، فالفن اليوم أصبح صناعة متكاملة ذات أثر اقتصادي وسياحي وثقافي، وهو ما يستوجب تمكين الصحافة الفنية، وتعزيز حضورها، والاعتراف بها شريكًا رئيسًا في دعم هذه الصناعة.

المؤتمر الناجح يصنعه الحوار لا المجاملات
من جانبه، يؤكد الناقد الفني والمستشار الإعلامي سهيل طاشكندي أن المؤتمرات الصحفية الفنية تمثل إحدى أهم قنوات الاتصال بين الفنانين وصناع الأعمال ووسائل الإعلام، إذ تتيح للصحفيين الحصول على تصريحات مباشرة ومعلومات حصرية، كما تكشف للجمهور الجوانب الفكرية والثقافية للفنانين، وتختصر الوقت والجهد على جميع الأطراف.

إلا أنه يرى أن بعض المؤتمرات تقع في أخطاء تنظيمية متكررة تفقدها قيمتها، من أبرزها نمطية الأسئلة، والتركيز على الشائعات والحياة الشخصية على حساب القيمة الإبداعية للعمل، إضافة إلى قيام بعض الجهات المنظمة بفرض محاور أو أسئلة محددة، وربما بالتنسيق مع الفنان، وهو ما يتعارض مع جوهر العمل الإعلامي، لأن المؤتمر وُجد للإجابة عن القضايا التي تشغل الرأي العام، وتسليط الضوء على العمل الفني، لا لتقديم حوار مُعد مسبقًا.

ويضيف أن من أبرز الملاحظات أيضًا اقتصار الدعوات أحيانًا على أسماء محددة وفق العلاقات الشخصية، بما يؤدي إلى غياب النقاد والصحفيين المتخصصين، ويُضعف الطرح المهني لصالح أسئلة مكررة لا تضيف قيمة إعلامية.

ويرى طاشكندي أن الارتقاء بالمؤتمرات يتطلب استراتيجية واضحة تبدأ بالتحضير المبكر، وتحديد أهداف المؤتمر ومحاوره، وتهيئة أجواء مهنية قبل انعقاده، والاستعانة بمدير مؤتمر محترف يمتلك الخبرة والحياد والقدرة على إدارة الحوار، إلى جانب دعوة الصحفيين المتخصصين الذين يقدمون طرحًا موضوعيًا يخدم الفنان والإعلام والجمهور، مؤكدًا أن الغاية الأساسية من المؤتمر ليست تبادل المجاملات، وإنما إنتاج مادة إعلامية رصينة ذات قيمة مضافة.

إجماع على مكامن الخلل
ويتفق الإعلاميون على أن أخطر ما يهدد المؤتمرات الصحفية هو تحولها إلى حوارات معدة سلفًا، تُنتقى فيها الأسئلة وتُحدد محاورها مسبقًا، فتتراجع وظيفة الصحافة في الاستقصاء والمساءلة، لتحل محلها رسائل العلاقات العامة. كما تتفاقم المشكلة عندما تغيب العدالة في توزيع فرص الأسئلة، أو تُمنح الأولوية لغير المتخصصين، أو تُطرح أسئلة مكررة وسطحية، فتضيع فرصة الوصول إلى تصريح جديد أو معلومة تستحق النشر.

مطالب بإطار تنظيمي وميثاق مهني
وفي ضوء هذه التحديات، طالب إعلاميون هيئة تنظيم الإعلام بتبني إطار تنظيمي وميثاق مهني موحد للمؤتمرات الصحفية، يواكب التطور الكبير الذي تشهده المملكة، ويضمن بيئة مهنية عادلة لجميع الأطراف، لا سيما أن كثيرًا من المؤتمرات تُدار اليوم وفق اجتهادات الجهات المنظمة، الأمر الذي يفضي إلى ممارسات متباينة، من أبرزها:
  • تقييد الأسئلة أو اختيارها مسبقًا.
  • منع بعض الصحفيين من المشاركة أو توجيه الأسئلة دون مبرر مهني.
  • تدخل المنظم في مضمون السؤال أو محاولة إعادة صياغته.
  • منح الأفضلية للمشاهير والمؤثرين على حساب الصحفيين المهنيين.
  • غياب آلية واضحة لاستقبال الاعتراضات ومعالجة الشكاوى.
ويقترح الإعلاميون أن يتضمن هذا الإطار التنظيمي:
  • إصدار ميثاق سلوك للمؤتمرات الصحفية يحدد حقوق وواجبات الجهات المنظمة والإعلاميين.
  • وضع معايير موحدة لإدارة المؤتمرات، تشمل آلية توزيع فرص الأسئلة، وإدارة الوقت، وضمان العدالة بين وسائل الإعلام.
  • إنشاء آلية واضحة لاستقبال ومعالجة شكاوى الإعلاميين في حالات المنع أو الاستبعاد غير المبرر.
  • اعتماد برامج تدريب وتأهيل لمنسقي الفعاليات ومديري المؤتمرات في أساليب التعامل المهني مع وسائل الإعلام.
  • تنظيم مشاركة غير الصحفيين في المؤتمرات، بما يحفظ أولوية الصحفيين المهنيين في طرح الأسئلة، مع تخصيص مسارات مناسبة لصناع المحتوى والمؤثرين بما يتوافق مع طبيعة أدوارهم.
  • إلزام الجهات المنظمة بتوفير ملف إعلامي متكامل يتضمن البيان الصحفي، والصور، والتصريحات، والمواد الداعمة فور انتهاء المؤتمر.
ويرى الإعلاميون أن اعتماد مثل هذا الميثاق من شأنه أن يرفع مستوى الاحترافية، ويحمي حق الصحفي في أداء رسالته، ويعزز العدالة والشفافية في إدارة المؤتمرات الصحفية، بما ينسجم مع مكانة المملكة وتطور قطاعها الإعلامي.

المؤتمر الحقيقي... حيث تبدأ المعلومة
ويجمع المختصون على أن نجاح المؤتمر الصحفي لا يُقاس بفخامة القاعة، أو بعدد الكاميرات، أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرته على إنتاج معلومة جديدة، وإدارة حوار مهني مسؤول، واحترام استقلالية الصحفي، وضمان حق الجمهور في المعرفة.

فالمؤتمر الذي يحتضن السؤال المهني بثقة يعزز مصداقية الجهة المنظمة، ويمنح الجمهور قيمة مضافة، أما المؤتمر الذي يخشى السؤال أو يوجهه، فإنه يفقد رسالته، ويتحول من منصة للشفافية إلى مجرد فعالية للعلاقات العامة.

ولا تكتفي هذه الرؤية بتشخيص الواقع، بل تقدم تصورًا عمليًا يمكن أن يشكل مرجعًا تستفيد منه هيئة تنظيم الإعلام، والجهات المنظمة، ومنسقو المؤتمرات الصحفية، في بناء نموذج مهني يواكب الحراك الثقافي والإعلامي المتسارع الذي تشهده المملكة، ويعزز جودة صناعة المؤتمرات الصحفية بوصفها أحد أهم أدوات التواصل مع الرأي العام.